اعترافات فكرة هاربة من رأسي
بقلم: أحمد عزيز الدين أحمد
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في المرة الأولى التي حاولتُ فيها كتابتها… ماتت.
لم يكن موتًا صاخبًا،
بل اختفت بهدوء، كأنها خجلت من الطريقة التي قدّمتها بها.
كنت قد بدأتُ بجملة جميلة،
جملة تُشبه ما يُعجب الناس…
مُهذبة، مصقولة، لا تُزعج أحدًا.
حينها سمعتُها:
"هل هذه أنا؟"
ترددتُ، ثم قلت:
"هذه أفضل نسخة منك."
ضحكت.
ضحكة قصيرة… لكنها كانت كافية لتفضحني.
"أفضل نسخة؟" قالت،
"أم أكثر نسخة يمكنهم تقبّلها؟"
صمتُّ.
اقتربت، وقالت ببطء:
"أنت لا تكتبني… أنت تُعدّلني."
حاولتُ الدفاع:
"أنا فقط أُحسن صياغتك."
قالت:
"بل تُفرغني."
في تلك اللحظة، شعرتُ أن الكلمات التي أكتبها ليست كلماتي،
بل نسخ مخففة من شيء أعمق… شيء كنت أخشاه.
قالت:
"أنت لا تخاف من فشل النص…
أنت تخاف من صدقه."
ارتبكت.
"لأن الصدق"، تابعت،
"لا يُعجب الجميع…
وأنت تعوّدت أن تُعجب الجميع."
جلستُ.
لأول مرة، لم أحاول إنكار ذلك.
سألتني:
"هل تريدني حقًا؟"
قلت:
"نعم."
قالت:
"إذًا اكتبني دون أن تُفكر بمن سيقرأ."
بدت الجملة بسيطة… لكنها كانت مستحيلة.
لأنني، دون أن أشعر،
كنت أكتب دائمًا بعينٍ أخرى تراقبني:
هل سيُعجبهم هذا؟
هل سيصفقون؟
هل سيشاركونه؟
قالت:
"أنا لا أعيش في التصفيق…
أنا أعيش في الصدمة."
أغمضتُ عيني.
"هل تعرف لماذا أهرب منك؟" سألت.
هززتُ رأسي.
"لأنك حين تقترب مني… تبدأ في تهذيبي."
كانت على حق.
كل مرة شعرتُ فيها بفكرة حقيقية،
كنت أُسرع لتلطيفها،
لتقريبها من الذوق العام،
حتى فقدتُها دون أن أشعر.
قالت:
"أنت لا تملك أفكارك…
أفكارك هي التي تتركك."
فتحتُ عيني.
سألتها بصوت خافت:
"وإن كتبتك كما أنتِ… ماذا سيحدث؟"
قالت:
"ستخسر بعضهم."
توقفت لحظة، ثم أكملت:
"لكن قد تربح نفسك."
سكتُّ طويلًا.
ثم سألت السؤال الذي كنت أهرب منه:
"وماذا لو لم تعجبهم؟"
ابتسمت:
"ومن قال إن النص الجيد يجب أن يُعجب؟"
أمسكتُ القلم.
لأول مرة، لم أبحث عن جملة جميلة…
بل عن جملة حقيقية.
كتبت.
ثم توقفت.
ثم كتبت من جديد…
حتى شعرتُ أنني لا أكتب نصًا،
بل أخلع طبقةً من نفسي.
قالت بهدوء:
"هذه أنا."
ثم اختفت.
لكن هذه المرة… لم أشعر أنها هربت.
بل شعرتُ أنها خرجت أخيرًا.
نظرتُ إلى ما كتبت.
لم يكن مثاليًا…
لم يكن آمنًا…
لكنه كان حيًا.
وحين انتهيت… أدركت:
أن أخطر ما يمكن أن يفعله الكاتب
ليس أن يكذب…
بل أن يقول الحقيقة
بطريقة لا تُزعج أحدًا.
توقفتُ عن الكتابة.
ثم قرأتُ ما كتبت.
ابتسمت…
ومزّقت الورقة.
لأن الفكرة
لم تكن تريد أن تُكتب…
كانت تريد
أن تُغيّرني.
بقلم / احمد عزيز الدين احمد
كاتب وروائي وشاعر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .