يُولَدُ الظلُّ أولًا
في الزقاقِ المعقودِ على كتفِ النسيانِ
كان الوقتُ يُعيرُ ساعتَه للرمالِ،
فيمشي العابرونَ بلا أقدامٍ،
وتنصتُ حجارةُ الرصيفِ لنبضِ الفراغِ.
استيقظتُ
وعلى شفتيَّ ملعقةٌ
من معدنٍ نسيهُ القمرُ.
كان الصباحُ قد ارتدى قميصَ الخطأ،
وأزهرتْ في فنجاني شاشةُ هاتفٍ
ممتلئةٌ بابتساماتٍ بلا شفاهٍ.
قال الجدارُ:
"لستَ هنا."
فأجبتهُ بعطسةِ فراشةٍ.
كان سقفُ الغرفةِ قد طارَ مثلَ طائرةِ ورقٍ،
وبقي المطرُ معلّقًا في الهواءِ
يقرأُ طالعَ الغبارِ.
أمشي على صوتِ خطايَ
في مدينةٍ تهدمُ أبوابَها كلَّ ليلةٍ
لتبني سلالمَ نحو سحابةٍ عرجاءَ.
الأشجارُ هنا
جذورُها في السماءِ،
وأغصانُها تشربُ من مياهِ الأحلامِ المالحةِ.
وجدتُ رسالةً
عنوانُها: أنا.
مكتوبةً بحبرٍ ضاحكٍ
من شخصٍ ماتَ قبلَ أن يُولَدَ،
يقولُ فيها:
"السماءُ تمطرُ برتقالًا فاسدًا،
فهل تحتفظُ بقشرتِكَ يا صديقي؟
لعلَّ السفينةَ من ورقٍ."
يا للغزالةِ التي علّمتِ الأسدَ الزئيرَ،
والمكتبةِ التي احترقتْ
فصارتْ دخانًا يُقرأُ.
يا للحقيقةِ
تلبسُ قناعَ كذبةٍ،
وتمشطُ شعرَها
أمامَ مرآةٍ عمياءَ.
سألتُ امرأةً من زجاجٍ:
"أين أنا؟"
فقالت:
"أنتَ سؤالٌ في فمِ سمكةٍ،
تسبحُ في حوضِ استفهامٍ.
أنتَ فاصلةٌ
بين جملتينِ لم تُكتبا بعدُ.
أنتَ زرُّ قميصٍ
وقعَ في بركانٍ."
ضحكتُ
حتى نبتَ العشبُ على أسناني،
وبكيتُ ياقوتًا
وثعابينَ نائمةً.
ثم علّقتُ معطفي
على مسمارٍ من دخانٍ،
ومشيتُ خارجَ القصيدةِ،
لا لأبلغَ النهايةَ،
بل لأرى من بعيدٍ
كيف يولدُ ظلّي قبلي،
كيف يكتبني الغيابُ
بيدٍ من مطرٍ،
وكيف أعودُ سؤالًا
كلما ظننتُني جوابًا.
عاشور مرواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .