"الظل ليس خلفك… بل ينتظر قرارك."
**النبض 37 – مواجهة الظلال**
لم يكن الليل كثيفًا كما في الحكايات.
كان عاديًا.
وهذا ما جعله مقلقًا.
الأزقة احتفظت بحرارة النهار،
لكن الهواء تغيّر.
صار يمرّ بين الجدران
كأنه يبحث عن شيءٍ نسيه.
في القبو
لم يتحرك أحد بعد كلمات يحيى.
الجملة التي قيلت لم تكن عظيمة،
لكنها لم تترك لهم مهربًا.
الوجوه التي اعتادت الاختباء خلف الحماسة
بدأت تتعرّى ببطء.
قال شابٌ في أقصى الدائرة:
— وإذا خسرنا؟
لم تكن نبرة تحدٍّ،
كانت نبرة شخص
يريد أن يعرف كم سيخسر.
يحيى لم يملك جوابًا.
وهذه المرة
لم يحاول أن يبدو كمن يملك واحدًا.
قال بعد صمتٍ قصير:
— سنخسر شيئًا على أي حال.
لم يشرح.
---
في الخارج
توقفت سيارة عند رأس الزقاق.
صوت بابٍ يُغلق.
خطوات.
لم تكن سريعة.
ولم تكن خفية.
فقط خطوات
تعرف طريقها.
في القبو
انتبه الجميع في اللحظة نفسها.
ليس لأن الصوت عالٍ،
بل لأن الجسد يتعلم
أن يميز اقتراب الخطر
قبل العقل.
لم يقل أحد "جاءوا".
الكلمة كانت ستجعل الأمر حقيقيًا أكثر مما يحتملون.
الخطوات اقتربت.
توقفت.
ثم تحركت من جديد.
ظلٌّ عبر النافذة الصغيرة العالية.
لم يكن طويلاً،
ولا مرعبًا،
ولا أسطوريًا.
كان بشريًا.
وهذا أسوأ.
---
نظر يحيى إلى الباب.
فكّر لجزءٍ من ثانية:
يمكننا أن نصمت.
يمكننا أن نطفئ الضوء.
يمكن أن نبدو كأننا لم نكن هنا.
هذا الاحتمال
كان واضحًا.
ومريحًا.
ثم تذكّر وجهه في المرآة.
نهض.
لم ينهض ببطولة،
بل كمن يختار ألمًا
على ألمٍ آخر.
تقدّم نحو الباب خطوةً واحدة.
توقّف.
التفت إليهم.
لم يرَ في عيونهم انتظار معجزة.
رأى سؤالاً بسيطًا:
هل سنقف معًا… أم سيفتح كلٌّ منا طريقه وحده؟
قال بهدوءٍ أقرب إلى التعب:
— لا أحد يُجبر أحدًا.
الجملة سقطت بينهم
كشيءٍ ثقيل.
شابان تبادلا نظرة.
واحدٌ شدّ على يد الآخر.
آخر انحنى كأنه يربط حذاءه،
ليخفي ارتجاف أصابعه.
الخطوات خلف الباب توقفت تمامًا.
صمتٌ طويل.
ثم طرقة.
واحدة.
واضحة.
لم تكن عنيفة.
كانت طرقة شخص
يعرف أن الداخلين
يفهمون الرسالة.
يحيى وضع يده على المقبض.
شعر ببرودته.
في تلك اللحظة
لم يفكر في المدينة،
ولا في الجيل،
ولا في النبض.
فكر فقط:
هل سأبقى الشخص نفسه
بعد أن أفتح؟
فتح الباب.
الهواء دخل أولاً.
ثم الضوء الأصفر للمصباح الخارجي.
ثم رجلان.
رائحة تبغ قديم يلتصق بالمعاطف الجلدية،
وكتف أحدهما يميل قليلاً إلى اليسار،
كأن السنين حملته على هذا الجانب دائماً.
لم يتكلما فورًا.
العينان التقتا.
لا عداوة معلنة.
لا صراخ.
مجرد معرفة مشتركة
أن شيئًا انتهى
وأن شيئًا آخر
بدأ.
خلف يحيى
لم يهرب أحد.
وللمرة الأولى
لم يكن الظل خارجهم فقط.
كان بينهم.
وكان عليهم أن يختاروا
إن كانوا سيعيشون معه
أم يعبرونه.
الليل بقي كما هو.
المدينة لم تصرخ.
لكن المسافة بين الداخل والخارج
لم تعد كما كانت.
---
#الأثوري_محمد_عبدالمجيد.. 2026/5/2
#ملحمةُ_النبض_الأول، #أدب_عربي #فِكر_إلهام #غيّروا_هذا_النظام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .