بين الابتلاء واليقين
تمر الحياة بالانسان باختبارات كثيرة، فيجد نفسه امام لحظات لا تشبه ما كان يتصوره يوما. لحظات عليه فيها ان يختار، وان يصبر، وان يتأقلم مع واقع لا يشبهه البتة. وفي مثل هذه المنعطفات يبدأ الانسان يكتشف نفسه، ويرى ان في داخله قوة لم يكن يدركها من قبل، قوة خفية لا يحركها الا رب العالمين.
فالانسان يختار طريقه، واختياراته تترك اثرها في ملامح حياته، ومع ذلك يبقى اليقين ان الله بيده كل شيء، وان علمه محيط بكل ما سيكون، ومع هذا لا يترك عبده ابدا. حاشى لله ان يترك من لجأ اليه او وثق به.
وفي لحظات الابتلاء، من مرض او فقد او ثقل في الروح، يتعلم الانسان معنى الصبر الحقيقي، صبر لا شكوى فيه ولا تذمر، بل سكون داخلي يمر فيه العبد بما كتب له بثبات ورضا. هناك يدرك ان في داخله اسما عظيما، اسم الله، قوة تسنده حين يضعف، ونورا يرفعه كلما انطفأ داخله شيء.
وفي تلك التجارب تتغير نظرة الانسان للحياة، فيرى ما كان يمر عليه كأنه شيء عادي، فيكتشف فجأة قيمة الاهل والاصدقاء والصحة والامان والرزق، ويشعر ان النعمة لا تُعرف الا حين تمسها يد الامتحان.
وفي مشاهد الفقد، حين يختلط الصمت بالوداع، تتجرد الحياة من زينتها، ويقترب الناس من بعضهم بلا مقدمات. تمتد يد لمواساة انسان لا يعرفه، ويصبح البكاء لغة مشتركة، وكأن الالم يعيد الانسان الى جوهره الحقيقي: انسان فقط امام قدر الله، لا فرق بين قريب وغريب.
وهنا يتضح ان الموت ليس عدوا كما يُظن، بل محطة اخرى بامر الله، انتقال من دار الى دار، يضع الحياة في حجمها الحقيقي دون ان ينتقص منها، بل يمنحها معنى اعمق ووعيا اكبر.
وربما يصل الانسان الى مرحلة لا يكون فيها الصبر مجرد تحمل، بل رضا وطمأنينة، وهدوء داخلي امام ما كتبه الله. وعندها يصبح الايمان بالقضاء والقدر حالة قلبية، تجعل الانسان يترك الامور كلها بيد الله مطمئنا.
فالابتلاءات لا تأتي لتكسر الانسان، بل لتوقظه، لتكشف له ما في داخله، وتعيد ترتيب نظرته للحياة، ليخرج منها اكثر قوة، واكثر وعيا، واكثر قربا من الله.
بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .