الأحد، 3 مايو 2026

حينما يغيب الواصل بقلم الراقي محمد عربي

 حينما يغيبُ الواصل

بقلم: محمد عربي – الجزائر


حينما يغيبُ الواصلُ

وتنطفئُ الطرقُ في عيونِ المسافات،

أجلسُ وحيدًا

أعدُّ خطايَ التي لم تكتمل،

وأجمعُ من صمتِ الليل

بقايا حديثٍ كان بيننا

ثم ضاع…


حينما يغيبُ الواصلُ

تصيرُ المدنُ غريبةً عن أسمائها،

والنوافذُ تُغلقُ قلبها

قبل أن تُغلقَ خشبها،

ويصيرُ الوقتُ

كشيخٍ أعمى

يمشي بلا عصا

ولا يعرفُ أين النهاية…


كنتَ تقول:

إن اللقاءَ وعدٌ لا يخون،

وأن الغيابَ سحابةٌ عابرة،

لكنَّ السحبَ تكاثرت

حتى صارَ قلبي سماءً كاملة

من الانتظار…


يا أيها الراحلُ دونَ وداع،

كيف استطعتَ

أن تتركَ صوتكَ معلقًا في صدري

كأذانٍ لم يُكمل صلاته؟

كيف استطعتَ

أن تجعلَ الحنينَ

مهنةً يوميةً لي؟


أنا لا أعاتبك…

لكنني أتعبُ

من ترتيبِ الغيابِ في ذاكرتي،

من إقناعِ الليل

أنك لن تأتي،

ومن خداعِ نفسي

كلَّ مساءٍ

بأن الطرقَ تعرفُ خطاك…


حينما يغيبُ الواصلُ

تتغيرُ اللغةُ،

فلا تعودُ الكلماتُ تُشبهُ معناها،

تصيرُ "أحبك"

ذكرى،

وتصيرُ "أشتاق"

وطنًا من ألم…


أمشي إلى الأماكن

التي كنا نلتقي فيها،

فلا أجدُ إلا ظلي

يجلسُ مكاني

وينظرُ إليَّ

كأنه يعرفُ النهاية قبلي…


يا صديقي البعيد،

كنتُ أظنُّ الغيابَ مسافة،

فاكتشفتُ أنه امتحان،

وكنتُ أظنُّ الصبرَ قوة،

فاكتشفتُ أنه انكسارٌ مؤجل…


أتعلم؟

إنني لم أعد أنتظرُك،

لكنني لم أتعلم بعد

كيف لا أنتظر…


بيننا

أشياءُ كثيرةٌ لم تُقل،

وعيونٌ كانت تتحدثُ أكثر

من كلِّ اللغات،

فكيف صرنا

غرباءَ

يجيدون الصمتَ فقط؟


حينما يغيبُ الواصلُ

تنكسرُ البوصلة،

ولا تعودُ الجهاتُ أربعًا،

بل جهةٌ واحدة

اسمها:

أين أنت؟


أكتبُ إليك

ولا أرسلُ الرسائل،

وأحكي عنك

ولا أذكرُ اسمك،

وأحبك

كأنك لم تغب…


أخافُ أن أعتادَ الغياب،

أن يصبحَ عاديًا

أن لا تكون هنا،

أن تموتَ الأشياءُ الجميلة

بهدوء…

دونَ أن ننتبه…


يا من كنتَ الواصل،

وصرتَ الغياب،

هل تدري

أن بعضَ الرحيلِ

لا يُغفر؟

ليس لأنه قاسٍ

بل لأنه بلا تفسير…


سأتركُ نافذتي مفتوحة،

ليس لأنني أنتظرك،

بل لأن الهواء

ربما يحملُ بقاياك…


وسأبقى

كما كنتُ

أكتبُك في كلِّ قصيدة،

وأحذفُك في كلِّ نهاية…


فإن عدتَ يومًا،

ستجدني

إما كما تركتني…

أو

أثرًا من حنينٍ

مرَّ من هنا

ثم اختفى…

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .