الاثنين، 4 مايو 2026

خارج التغطية بقلم الراقي د محمد شعوفي

 خارج التغطية:

سيرة الجيل الذي ملك السماء.


سيرة جيل لم تسرقه الشاشات

قبل أن تُضيء الشاشاتُ الوجوهَ في العتمة، وقبل أن تُحاصر الخوارزمياتُ الأحلامَ في مربعات صغيرة، كان ثمة جيلٌ يعيش في الفضاء المفتوح بكل ما فيه من خشونة وجمال.

جيلٌ لم يرث الحداثة جاهزةً، بل صنع من الشُّح كنزاً، ومن القسوة حكمة، ومن البساطة فلسفةً لا تُدرَّس في الجامعات.

هذه شهادته على نفسه، وعلى زمنٍ لن يعود.

في الفجوة الزمنية التي تفصل بين "الطين" و"السيليكون"، نبت جيلٌ فريد، لم يرتدِ الحداثةَ قناعاً، ولم ينسلخ عن أصالة الأرض التي منحته الاسم والهوية.

كبرنا وفي عيوننا بريقٌ لا يستمد نوره من بكسلات الشاشات، بل من شمس البراري ووهج القناديل الخافتة في الليالي الطويلة.

كانت ثيابنا تتلون بغبار الطرقات، وأحذيتنا تنطق بوعورة المسافات، لكن أرواحنا كانت أصلب من الصخر الذي مشينا عليه.

هل تذكرون رحلة جلب الماء من الآبار البعيدة، ونحن نتبارى في حمل الجِرار دون أن تسقط قطرة؟

هل نسينا رائحة الحطب وهو يصارع البرد في أواخر الليل، ووجوهنا تتوهج بلهيب الجمر وكأنها تتلقى دفئاً من سر قديم؟

كنا ندرس على ضوء شمعة ترتجف في مهب الريح، ومع ذلك، كانت بصائرنا تمتد لتضيء أفقاً لم نكن ندرك كيف سنبلغه.

لم نعرف وفرة الوسائل، لكننا غرقنا في وفرة المعاني.

كانت لُقيمات الخبز الساخن من يد الأم تعني لنا الأمان المطلق.

وبيوتنا المتواضعة كانت قلاعاً من الكرامة، لا تقتحمها ريح، ولا تزعزعها ضائقة.

ورثنا عن آبائنا، الذين قهروا الاستعمار بصدور عارية وإرادة لا تُكسر، حريةً داخلية لا تُباع ولا تُشترى، ولا تمنحها لجنة، ولا تسلبها قوة.

لم تكن المدارس مجرد فصول دراسية، بل كانت محاضن للروح.

كنا نحمل في صدورنا آيات القرآن الكريم، نحفظها فتحفظنا، نغرسها في أعماقنا جذوراً لا تهزها الرياح ولا تقتلعها الأعاصير.

كيف نصف لعبنا لذلك الجيل الذي لا يعرف سوى الأزرار والشاشات اللامسة؟

كنا نبني من الخيال خنادق، ونخوض معارك وهمية لتحرير أوطان مُتخيَّلة، وكأننا كنا نتدرب على البطولة منذ المهد.

كانت الغابة محيطنا، والعصا سيفنا، والكرات الزجاجية والطائرات الورقية هي كنوزنا التي لا تُقدَّر بثمن.

لم نكن بحاجة لذاكرة رقمية تخزن لحظاتنا، فقد كانت قلوبنا هي المستودع الأمين الذي لا يُمحى ولا يُخترق.

كانت الرسائل المكتوبة بخط اليد تحمل رائحة أصحابها وأثر أناملهم، والصور الورقية تمنحنا دفئاً يعجز عنه كل "إنترنت" في العالم.

في كنف البيت، كان الأب هو البوصلة والسند، يعلمنا ركوب مصاعب الحياة قبل أن يعلمنا ركوب الدراجة.

وكانت الأم هي الشمس التي لا تغيب، نلتف حولها كأقمار صغيرة تحت غطاء واحد، نتهامس ونضحك، ونخشى أن يغافلنا النوم فنفقد تلك اللحظات الحميمة التي لن تعوضها ساعة في أرقى فنادق الدنيا.

علمتنا القسوة ما عجزت عنه الرفاهية: 

الصبر، والرضا، وفن صناعة الفرح من لا شيء.

وهو فنٌّ نادر، لا يتقنه إلا من ذاق طعم الشُّح وخرج منه أغنى مما دخل.

لقد عشنا طفولة حقيقية، لم تسرقها الإشعارات، ولم تحاصرها العوالم الافتراضية.

طفولة مبللة بالمطر، مُعفَّرة بالتراب، مشبعة بضحكات لم يتكلفها أحد ولم يُخطط لها.

واليوم، بينما يرحل أفراد هذا الجيل كأوراق الخريف الهادئة تسقط واحدة واحدة، تبقى ذكراهم كعطرٍ لا يزول، يتسلل من بين الأيام ليُذكِّرنا بما كنا عليه وما صِرنا إليه.

نشهد أمام التاريخ أن أعظم ما امتلكناه لم يكن عقاراً ولا مالاً ولا لقباً، بل كانت طفولةً عشناها بكامل تفاصيلها الخشنة الجميلة.

فيا أيها القادمون من خلف الستائر الزجاجية، المسكونون بإشعارات لا تنتهي وضوضاء لا تهدأ، احذروا أن تستبدلوا الفطرة بخوارزمية، أو الضحكة الصافية بإشعار بارد لا يشعر.

احذروا أن تُسلِّموا ذاكرتكم لسحابة رقمية وتنسوا أن تحفظوا شيئاً في القلب.

فإن كنتم تملكون التكنولوجيا، فقد كنا نحن نملك السماء.

وكانت السماء يومها أوسع من أن تُؤطَّر بكادر صورة، وأصدق من أن تُزيَّف بفلتر.

كنا نرفع أعيننا إليها لنحلم، لا لنُصوِّر.

كنا نعيش اللحظة حتى الثمالة، لا لنوثقها ثم نمضي وكأنها لم تكن.

وختاماً، إن ضاقت بكم الأرض الافتراضية، وأرهقتكم الضوضاء الرقمية، وشعرتم بأن شيئاً جوهرياً قد ضاع في زحمة التحديثات، فابحثوا عن سمائكم في صدق اللقاء، وبساطة العيش، ودفء الأحضان الحقيقية.

تخلوا، ولو ساعة في اليوم، عن كل شاشة وكل إشعار، وانظروا إلى السماء كما كنا ننظر إليها نحن: 

بعيون جائعة إلى الجمال، وقلوب لم تتعلم بعد كيف تتصنع.

فهناك فقط، تولد الطفولة من جديد.

وهناك فقط، يستعيد الإنسان ما فقده من جوهر إنسانيته.

بقلم:

د. محمد شعوفي

04 مايو 2026م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .