قَسَمُ المَهِيبِ فِي حَضْرَةِ الهَوَى
قسماً بربِّ العرشِ إنِّي عاشقٌ
لكنَّ هذا العشقَ أعمقُ من دَمِي
ما عادَ مجرّدَ لوعةٍ عابرةٍ،
أو رِقَّةٍ تمضي، أو اشتهاءٍ مُبهَمِ
إنّي أُحبُّكِ لا كمن وجدَ المُنى
فاهتزَّ، ثمَّ انحلَّ عندَ التبسُّمِ
لكن كمن ألقى مصيرَ حياتِهِ
في اسمٍ واحدٍ، ثمَّ عاشَ على اسمِ
أنتِ التي نزلتْ عليَّ كأنّما
نزلَ اليقينُ على فؤادِ المُسلِمِ
فإذا وجودي قبلَ عينيكِ ادِّعاءٌ،
وإذا وجودي بعدَ عينيكِ انتمائي الأقدَمِ
ما كنتُ أعلمُ أنَّ في القلبِ المدى
ما ليسَ يدركُهُ البيانُ بفهمِهِ
حتى أتيتِ، فصارَ صدري كلُّهُ
بحرًا يفيضُ، ولا يضيقُ بصمتهِ
أحببتُ فيكِ الشيءَ قبلَ جمالِهِ،
والسِّرَّ قبلَ الحسنِ فيكِ المعلَنِ
أحببتُ فيكِ سكينةً متجبّرةً،
وكبرياءَ الوردِ فوقَ التكوُّنِ
أحببتُ فيكِ بأنّكِ المعنى الذي
يأتي فيُبطلُ ما سواهُ من المعاني
فكأنَّني من قبلُ كنتُ موزَّعًا،
حتى التقَيتُكِ… فاستعدتُ مكاني
لا، ما هويتُكِ مثلما يهوى الفتى
وجهًا جميلًا فيمرُّ كأنْ رأى
لكن هويتُكِ مثلَ من وجدَ الحقيقةَ
بعد طولِ العمى، فخرَّ وما شكا
كأنَّ روحي قبلَ طيفكِ ناقصةٌ،
تمشي وتضحكُ، وهي شيءٌ مُرتَجى
فإذا مررتِ بها اكتملْتُ دفعةً،
وكأنَّ بعضي في حضوركِ قد نجا
عجبًا لأمركِ، كيفَ صرتِ ضرورةً
أعلى من التنفّسِ المسترسِلِ
كيفَ استحالَ اسمُكِ عندي موطنًا
أمشي إليهِ بكلّ جرحٍ مُثقَلِ
أنا لا أراكِ حبيبةً فحسبُ… لا،
أنتِ الجهةْ
أنتِ المكانُ إذا تضيقُ خرائطُ القلبِ
وترفضُ الروحُ المتاهةْ
أنتِ التي إن غبتِ عن عيني بَقيـ
ـتِ كالحقيقةِ في الضلوعِ مقيمةْ
لا يُطفئُ الغيابُ نارَكِ، بل يزيدُ
الشوقَ معرفةً، ويجعلُهُ عقيدةْ
ولأنّني أحببتُكِ الحبَّ الذي
لا يكتفي بالشكلِ أو بالملمحِ
صرْتُ أخافُ عليكِ خوفَ عقيدةٍ
لا خوفَ عابرِ رغبةٍ لم تنضجِ
أخشى عليكِ من الحزنِ الذي
لا يُرى
من كلمةٍ
من نظرةٍ
من انكسارٍ لا يُقالُ إذا جرى
وأودُّ لو أنّ الحياةَ إذا أتتْ
بثقلِها
أخذتْ من أكتافي أنا
وتركتْ كتفَكِ طاهرًا،
وتركتْ خُطاَكِ كما أرادَ اللهُ:
مطمئنّةً، لا تنحني، لا تشتكي، لا تنكسرْ
هذا هو الحبُّ الذي أُقسمتُهُ:
ليس التعلّقَ بالملامحِ وحدها،
بل أن يصيرَ رضاكِ شرطَ نجاتي،
وأن يصيرَ هدوؤكِ الغالي دُعائي،
وأن يصيرَ وجعُكِ إن حلَّ
نارًا في ضلوعي لا عليكِ
أحببتُكِ حتى خفتُ من لغةِ الغزلْ
لأنّها في حضرتكْ
تصغرْ
وكلُّ تشبيهٍ يجيءُ مؤقّتًا
وأنتِ أوسعُ من حدودِ المجازِ
أكبرُ من استيعابِ بحرٍ أو قمرْ
ماذا أقولُ؟
وأنتِ لستِ قصيدةً فقط،
بل أنتِ السببُ الذي من أجلِهِ
صارَ الشعرُ ممكنًا
والبوحُ ممكنًا
والصبرُ ممكنًا
والدمعُ أيضًا صارَ نوعًا من شرفْ
فيكِ التنافرُ مستحيلٌ؛ لأنّكِ
جمعتِ ما لا يجتمعْ
لينًا يروّضُ صلصلاتِ الكبرياءِ،
وكبرياءً لو مشى في جمعهم
أملى الوقارَ على الجميعِ، ولم يلمعْ
فيكِ الوقارُ كأنّهُ خُلِقَ انحناءً
للطفِ حين يتمثّلُ
وفيكِ لطفٌ لو تأمّلَهُ العدوُّ
لأعلنَ السِّلمَ الذي لم يُعلَنِ
أنا لستُ أطلبُ منكِ حبًّا عابرًا
يُرضي فتىً ويزولْ
أنا أطلبُ المعنى الذي
إذا نزلْ
أعلى الحياةَ، وطهَّرَ التفاصيلَ،
واستخرجَ الإنسانَ من قلقِ الترابِ
إلى صفاءِ القبولْ
فإذا اقتربتِ
رأيتُ نفسي أوّلَ مرّةْ
وإذا ابتعدتِ
عرفتُ كم أنّ الفؤادَ بلاكِ
ليس يموتُ فقط،
بل يفقدُ التفسيرَ أيضًا
ويستحيلُ إلى سؤالْ
يا من إذا ابتسمتِ لم يضحكْ فمي
وحدهُ،
بل استراحتْ في دمي أشياءُ كانتْ
منذُ أعوامٍ تُقاتلُ دونَ جدوى
ثم نامتْ حين مرَّ الضوءُ منكِ
وإذا حزنتِ
تكاثرتْ في داخلي
أوجاعُ أممْ
كأنّ قلبَ العاشقِ الصادقِ
لا يعرفُ التقسيمَ:
إمّا أن تكونَ حبيبتهُ بخيرٍ
فيكونَ،
أو يمسّها ظلُّ الأسى
فيصيرَ كلُّ الكونِ
موضعَ مأتمْ
ما عدتُ أعرفُ من أنا لولاكِ، لا
ضعفًا، ولكن من تمامِ تحوُّلي
أنا قبلَ حبّكِ كنتُ أمشي ناقصًا
وأظنُّ أنَّ النقصَ شكلُ التحمُّلِ
واليومَ أعرفُ أنَّ بعضَ محبّةٍ
لا تستنزفُ المرءَ، بل تبنيهِ
ترفعُهُ من طينِ عادتهِ
إلى أفقٍ يليقُ بما تهيّأ فيهِ
هكذا أحببتُكِ:
كأنّ ربّي شاءَ لي
أن أتطهّرَ من ضجيجي كلِّهِ
بامرأةٍ
إذا مرَّتْ على قلبي
أعادتهُ
أهدأَ
أصدقَ
أرهفَ
وأقربَ للسماءْ
فأنتِ لستِ زينةَ أيّامي،
ولا استثناءً عابرًا فيها،
أنتِ البنيةُ الخفيّةُ للطمأنينةْ
أنتِ التعريفُ الجديدُ لما يعنيه
أن يعيشَ المرءُ
لا أن يكتفي بالبقاءْ
قسماً بربِّ العرشِ
إنِّي ما وجدتُكِ كي أقولَ: أحبُّها
ثم أمضي
بل جئتِني قدرًا جليلًا
يستحقُّ أن أُعيدَ ترتيبَ الروحِ كلِّها
على ضوئهِ
ولذلكَ
لو خُيّرتُ بينَ العمرِ قبلكِ كاملًا
وبينَ لحظةِ صدقٍ واحدةٍ معكِ
لاخترتُ تلكَ اللحظةْ
لأنّ الأعمارَ لا تُقاسُ بطولِها،
بل بما امتلأتْ بهِ من معنى
وأنتِ…
أنتِ المعنى الذي
لو وُزِّعَ على أيّامي القديمةِ
لازدهرتْ
ولو هبطَ على لياليَّ المقفرةِ
لأشرقتْ
ولو مَرَّ على قلبِ حجرٍ
لانشقَّ من فرطِ الحنينْ
قسماً بربِّ العرشِ إنِّي عاشقٌ
عشقًا يليقُ بمهابةِ ما أرى
عشقًا إذا نطقَ الفؤادُ ببعضهِ
خجلَ البيانُ، وقال: ما هذا الثرى؟
هذا هو الحبُّ الذي إن مرَّ بي
أعلى مقامي، واستعادَ بهِ المدى
أنا ذلكَ المفتونُ، لكنّي على
شرفِ الهوى… لا أنحني إلّا لها
عاشور مرواني شاعر وأديب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .