الثلاثاء، 10 مارس 2026

نصف الصمت بقلم الراقي طاهر عرابي

 "نصف الصمت "


قصيدة رمزية وفلسفية

للشاعر طاهر عرابي

كُتبت في دريسدن – 10.03.2026



1


ليست الجريمة في اليد التي تمسك الأداة،

بل في العقل الذي يحيكها،

ويخرج بثوب الشفافية

كظلٍّ يبتسم في وضح النهار…


فنسأله:

لا يجيب،

أو يجيب عبرَ مارقٍ يحمل نعشه بالكذب.

ويصنع الألم بالعقول البريئة،

ويُوزّعه على الأجساد شظايا الفقد النهائي.


نصف الصمت يتردد في أسلاك القذيفة،

والباقي في العظم.

قذيفة مستوحاة من الحقد الأعمى،

فيها عقل يدرّ القتل دون اتهام.


يتخفّى المجرم خلف الرقائق العبثية،

حديدٌ منحوه هوية،

ولأول مرة نكون شظيةً فيها الموت ونحيب القيم،

بعد الانشطار يبدأ النسيان، ويردمه اليوم التالي،

ويختفي نصفنا…

ويبقى نصفٌ يطوف ليسأل الفيزياء.


2


اللئيمُ في صورتهِ ومرآتهِ

جريمةٌ تلمع بلونِ الغرور،

كورقةٍ من دفترِ الشيطان،

يبهتُ فيها الوداع،

ويشتعلُ فيها سمُّ الكراهية.


ويخرجُ منها شعاعٌ يمسُّ منكبَ العتمة،

فيرتبكُ الظلُّ،

وتغدو البشائرُ رذاذَ أمنيات.


تمرُّ اللحظاتُ مثلَ أجلٍ يمتطي شهابًا،

يتفجّر السمعُ والبصر،

وينتهي الإنسانُ

يعسوبًا في بطنِ الأرض.

وذاك الذي ينظرُ عبرَ منخلٍ

لا يرى الشيطان…

يرى الأدوات، وينسى

أنَّ عقلَ الأسلاكِ مشيئةُ الطامعين.


يتلفت، ينظر إلى يديه، وينسى عقله.

من حفر لنا قبراً دون أن يرى الأرض؟

يأتيك الموت من خلف السماء،

وتُدفن في محكمةٍ بلا قضاءٍ ولا قصاص.


القهرُ ملحُ الفضاء،

يتساقط رملاً جارحًا، ضبابًا كونيًا مهزومًا من قوام الكيمياء،

يتكوّر حول فتحات الأنف،

مثل عين الأفعى في غفوتها،

داخل ثقوب الغياب.


هل نتفق مع غيمةٍ لنغتسل بمائها،

أم نبقى كوسخٍ تنثره قوةُ الجشع،

وكأن ماضي الحروب يورثنا الموت؟


لم نفكر كيف يهدأ النبض،

والموت متلازم مع الحياة بقدرٍ واحد.

أغبياء نحيى، وأغبياء نموت،

والحرب تنأى عن وجودنا بصخبٍ مخيف.


يدّعون أنهم في منأى…

ويا ليتهم كانوا كذلك!

كيف ينأون وهم تحت نفس قبة السماء؟


يجهزون أنفسهم رداءً لملك الأرض،

وذل الإنسان،

وقتِل من لا يقدر أن يصير،

حقيرًا صامتًا،

بنصفين متوازيين من الضياع،

يتشابكان في وجه الزمن،

ويصرخان بلا صوت.


هل نملك الجرأة

لنحسّ بالألم بصوتٍ عالٍ؟

لن يسمعونا، لكنهم سيشعرون.


إننا نراهم في شرنقة واحدة تجوب الأرض،

بحثًا عن سمٍ واحد،

سمّ الموت لمن يتنفس في عبير روحه.


رأيتُ من ينسج من الحرير قناعًا،

ورأيتُ من يبكي على الوداع،

ويدفع الرحيل بيديه.

ورأيتُ العقل أمام السلطة،

يتخفف من وقع الفجيعة…


وكلهم، لم يروني سوى ضحية.

وللفجيعة دهاليز تأويهم،

ومن ينظر إلى الخفاء،

فهو في العلن أصمّ.

كلهم خيطٌ متقن الالتواء،

بين ثقبٍ وجبلٍ وجحيمٍ يتردّى.


3


يا نصف الصمت أعرفك

مغمض العينين، مطبّق الشفتين،

واللسان غافٍ في محارة الفكين.

أين النصف الآخر؟

لوعتنا تزداد،

والأمل بالصوت العالي صار يشبه الميلاد،

فأي بطن يحمل ما أضعنا؟


يا ليتني إبرة

أخزُّ بها عظم السلحفاة،

صاحبة المخبأ والأسرار،

لتخبرني بما في القوقعة:

هل هو سكن الوداعة، أم دفن الضياع؟


هل تنصحنا السلحفاة بقوقعةٍ من حديد؟

صرنا غرباء بلحمنا ودمنا.

نصف الصمت يتكشف بلحظة،

والنصف الآخر يبقى حلم الحقيقة،

في صحوةٍ أشبه بالصراخ.


نجرّ أقلامنا على الورق،

فينقسم القارئ نصفين:

فهم المعنى، وفهم الغياب.

ينغلق المعنى في الشكوك،

ويصير الغياب حضورًا.


كم نحب لون الرماد، فهو وسطٌ

يكاد أن يصبح شراعًا يدلّنا على بحرٍ أبيضَ وأسود.


نبحر برايتين:

واحدة للصمت، والأخرى للمصير.

بتنا نجاور ما لا يتنفس:

جزمة قديمة،

عنقها يشبه رقبة زرافة،

صحنٌ أُكلت أطرافه،

ووعاء يسقط فيه المطر،

فنحلم بوردةٍ عطشى…

تشرب ما تشاء،

وتعلّمنا كيف يُدار الملك.


الهروب يتكافأ مع الهزيمة.

لم تكن الحيرة همًّا، بل قناعًا آخر للبقاء،

نناشد به الصمت ألا يفضحنا.


النهار حفنة من ضياع السنين.

نرتعب من وصف الماضي، ونرتعد من القادم.

يد تمسك القدم، والرأس مرفوع

على رقبة تقاضي العدم.


يا أزلية الحنان،

واسينا بين العقاب والغفران.

نملك الإرادة أن نكون،

وننسى كيف نكون.


من يدفنني تحت لحاء شجرة،

وأتجول بين الأغصان،

كماءٍ أزلي الحنان، ليس من نبعٍ،

ولا من مطر، بل من أنفاسي،

في رحلة الأمان،

حين تتفرّج علينا طقوس الحب،

ويعود الشيطان إلى كهوف النسيان.


دريسدن – طاهر عرابي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .