✦ مرافعةُ النقطةِ ضدّ العالم ✦
الشاعر والأديب عاشور مرواني
لم تكنِ الكارثةُ نيزكًا يسقطُ من السماءِ،
ولا طوفانًا يبتلعُ اليابسةَ،
بل كانت مؤامرةً هادئةً
بدأتْ حين رفضتِ الأشياءُ الصغيرةُ
أن تبقى أدواتٍ في خدمةِ الكبار.
في البدءِ،
لم أعدْ نقطةَ حرفٍ.
تركتُ مكاني تحت الباءِ،
فارتبكَ البدءُ.
استيقظتِ الحروفُ
فلم تجد ظلّي الصغيرَ يحرسُ اختلافها.
تشابهتْ، تداخلتْ،
وتعانقَ المعنى حتى اختنق.
كنتُ الفارقَ الدقيقَ
الذي يمنعُ الكائناتِ من أن تذوبَ في تماثلها.
فلما انسحبتُ،
عادَ العالمُ كتلةً لغويةً واحدةً،
اسمًا بلا ملامح،
وصوتًا بلا فم.
قالوا: ارجعي، بدونكِ يختلطُ الاسمُ بصاحبه.
قلتُ: وهل كان الاسمُ إلا قناعًا يتدرّبُ على الثبات؟
أنا لستُ وظيفةً…
أنا الحدثُ الذي يُبقي الحدثَ مختلفًا.
خرجتُ من الحرفِ
كما تخرجُ الروحُ من جسدٍ ظنَّ نفسَهُ خالدًا،
وسرتُ نحو الفراغ،
لأدركَ أن العالمَ ليس إلا نصًا مشدودًا فوق هاوية،
وأنني كنتُ المسمارَ الصغيرَ
الذي يمنعُ سقوطَه.
وحين سقطَ مسمارُ اللغةِ،
استيقظتِ السكتةُ في حنجرةِ الناي.
قالت:
لم أكن صمتًا فارغًا،
كنتُ الشهقةَ التي تسبقُ البكاء،
والمسافةَ التي تمنعُ النوتاتِ من التقاتل.
فانسحبتُ.
فتلاحقتِ الأصوات،
وتصادمتِ الألحان،
وصارَ الكمانُ مِعوَلًا يهدمُ الإيقاع،
وتحوّلتِ السيمفونياتُ إلى نحيبٍ فوضويّ.
ففهموا متأخرين
أن النغمَ ليس إلا صمتًا تخلّلتهُ بعضُ الأصوات،
وأن الفراغَ هو القالبُ
الذي يُصبُّ فيه الشعور.
في غمرةِ الضجيج،
تثاءبَ الصفرُ في طابورِ الأرقام.
قال:
أنا اللاشيءُ الذي خوّفكم،
العدمُ الذي منحكم مهابتكم.
وغادر.
وفي كسرِ ثانية،
سقطتِ الأبراج،
تبخّرتِ الثروات،
وتساوى الملكُ والصعلوك.
عاد كلُّ شيءٍ إلى حجمهِ الحقيقيّ:
محضَ آحادٍ
ترتجفُ في العراء.
وفي ظهيرةٍ تدّعي الأجسادُ اكتمالها،
توقّفَ الظلُّ عن المشي.
صرخ:
أنا البرهانُ على أنك تقفُ في وجه الضوء.
بدوني
أنتَ طيفٌ بلا مقاومة.
وفي زاويةِ المعبد،
انقطعَ خيطُ السُّبحة.
تدحرجتِ الحباتُ،
وعادت حجارةً عمياء
لا تعرفُ وجهتها.
هناك، في الفراغِ الأول،
تلاقتِ الهوامشُ الخمسة:
الفارقُ الدقيق،
المسافةُ الفاصلة،
العدمُ الموزون،
العتمةُ المثبتة،
والرابطُ الخفيّ.
نظروا إلى العالمِ وهو ينهار،
وقالوا بصوتٍ واحد:
لقد ظننتم أنكم المركز.
وما علمتم أن البناءَ كلَّه
لم يكن سوى نصٍّ
مشدودٍ فوق هاوية،
يستريحُ على أكتافنا نحن—
نحنُ الذين حسبتمونا
زينةً…
وتفصيلًا.
لم يُصفّق أحدٌ حين انتهى العرض،
لا لأن الحضور انصرفوا،
بل لأن الأيادي فقدت خيطها
الذي يجمع الأصابع على التصفيق.
سكنَ الضجيج،
لكنّه لم يكن صمتًا،
بل كان الفراغَ الطاهر
الذي خلّفتهُ الهوامش
حين استردّت كرامتها.
نظر العالمُ إلى مرآته،
فلم يجد ملامح.
رأى باءً بلا نقطة،
وسيمفونيةً بلا سكتات،
ومليارًا يتلوّى في العراء
بعدما فرّت أصفارُه إلى العدم الأصيل.
هنا
في اللحظةِ التي تسبقُ العدم بقليل
أدرك الكبار الحقيقة المُرّة:
أنهم لم يكونوا يومًا القصيدة،
بل كانوا الحبرَ الذي يتكئ على كاهل الورق…
وأن الورق،
في لحظة صدقٍ نادرة،
قرّر أن يعود شجرةً،
ليستريح من ثقل الكلمات.
والآن…
بينما ينهارُ البناءُ خلفنا،
ارفع عينيكَ عن السطر الأخير،
وتأكّد أن ظلّك لا يزال يتبعك.
فإن لم تجده
فاعلم أنك لستَ قارئًا لهذا النص،
بل مجرّدُ تفصيلٍ آخر
قرّر أن يرحل.
انتهى كلُّ شيء…
لكي يبدأ كلُّ شيء
بصمت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .