جناحي الرحمة
لا يعود الزمن زمنًا،
بل يتحوّل إلى دائرةٍ من نور،
نقطة بدايتها حضن… ونهايتها دعاء.
هناك، في عمق الحكايات التي لا تُروى،
كانت أمٌّ تقيس العالم بسلامة قلب ابنها،
تختصر الكون في نبضة،
وتعيد ترتيب الفوضى بلمسةٍ من حنان.
لم تكن تصنع الحياة…
بل كانت تُقنعها أن تكون أرحم.
ثم… في لحظةٍ لا تُفسَّر،
تنسحب بهدوءٍ يشبه طيّ صفحةٍ من كتاب الوجود،
لكن الكلمات لا تختفي…
بل تتسرّب إلى أرواحنا،
فتصير نحن… دون أن نشعر.
وفي جهةٍ أخرى من هذا الكون،
أمٌّ ما زالت تقف على باب الانتظار،
لا تُحصي الأعوام، بل تُحصي دقات القلوب العائدة إليها،
تُرمّم انكسارات الأيام بابتسامة،
وتُخفي تعبها كي لا يختلّ ميزان الطمأنينة في عيون من تحب.
هكذا… لا ينقسم العالم بين راحلةٍ وباقية،
بل يتوحّد في معنى الأم،
ذلك السرّ الذي إن مرّ على الروح، أعاد تشكيلها،
وإن غاب عن العين، تكاثر حضورًا في الوجدان.
الأم ليست شخصًا في سيرة،
بل فلسفة حبٍّ خُلقت قبل اللغة،
وتبقى بعدها،
تكتب نفسها فينا،
كلما ظننا أننا كبرنا… أعادتنا إلى بداياتنا،
لنفهم أن النضج الحقيقي
هو أن نُدرك كم كنا صغارًا في حضرة عطائها.
في العيد…
تجتمع الأرواح كما لم تجتمع من قبل،
تصطفّ القلوب، لا لتبكي،
بل لتشهد:
أن هناك حبًّا لم يكن يومًا عابرًا،
ولا يُمكن أن يُفقد.
سلامٌ على من رحلن،
وقد تركن فينا ما يكفي لنعيش…
وسلامٌ على من بقين،
يحفظن توازن العالم دون أن يعلمن.
هي الأم…
ذاكرةُ القلب حين يضيع،
وحضورُ الروح حين يغيب كل شيء.
هي التي إذا ذُكرت…
ارتجف الكون احترامًا،
واصطفّت الدموع إجلالًا،
لا حزنًا عليها…
بل اعترافًا بعظمة ما وهبت
واستقرت بروح المعنى الذي يمهد لحياة أمة .
لندرك أن الأم لم تكن يومًا حكاية تُروى، بل رسالة تُسلَّم،
وأننا، كلٌّ في موضعه، نحمل من نورها أمانةً لا تُقاس بالكلمات، بل تُختبر بالفعل.
هي لم ترحل لتُنسى،
بل لتُستكمل بها الطريق… فينا.
في كل رحمةٍ نمنحها،
في كل يدٍ نربّت بها على كتفٍ منكسر،
في كل دعاءٍ صادقٍ يخرج من أعماقنا…
هناك، تكون الأم حاضرة، لا كذكرى، بل كامتداد.
وفاؤنا لها ليس حنينًا عابرًا،
بل يشبه الصلاة…
سرٌّ بين القلب والسماء،
وعهدٌ لا يُقال، بل يُعاش.
نمضي… لا وحدنا،
بل بنورها الذي لم ينطفئ،
نستدلّ به، ونُضيء به دروبًا لغيرنا،
كأنها أوصتنا أن يكون الحب فعلًا، لا شعورًا فقط.
وهكذا…
لا ينتهي حضورها،
بل يبدأ فينا بشكلٍ أعمق،
فنصير دون أن نشعر
الطريق الذي أرادته،
والأثر الذي تمنّت أن يبقى،
والنور الذي خرج منها…
ليجد سبيله سفينة نجاة بين أمواج الضياع تحترق مراكب القسوة.
أنها حوّاء الرحمة،
الأصلُ الذي تفرّعت منه إنسانيةُ القلب،
والسرُّ الذي تعلّمت منه الأرواح كيف تُحبّ بلا حدود.
هي صانعةُ الأجيال،
لكنها لم تصنعهم من طين الحياة فقط،
بل من نورٍ يشبه الملائكة،
تُهذّب الروح قبل أن تُهذّب السلوك،
وتزرع فيهم ما يجعلهم أرقى من أن يكونوا عابرين في هذا العالم.
من بين يديها خرجت قلوبٌ تعرف الطريق،
وأرواحٌ تميل إلى الخير كأنها خُلقت على هيئة ملاك،
تحمل من صفائها ما يكفي لتُرمّم هذا الكون كلما أثقلته القسوة.
هي ليست نهاية الحكاية…
بل بدايتها المتجددة،
وكل خاتمةٍ تُكتب عنها،
إنما تفتح بابًا لمعنى أعمق
هي حوّاء الرحمة، صانعة الأجيال التي تربّت على هيئة ملاك،
التي لم تُحفظ دفء قلبها لنفسها فقط، بل امتدّ أثرها ليشمل حبايب الوطن،
فكل حياة رعاها حبّها، كل قلب ألهمته رحمتها، صار جزءًا من نبض الأرض التي ننتمي إليها.
هنا يتلاقى الحنين بالوفاء،
والذكريات بالعطاء،
فتتّحد الأرواح في رسالة واحدة…
أن نور الأم، مهما غاب جسدها، يظلّ شعلةً تُضيء دروبنا،
ويصنع من كل منا امتدادًا حيًا لعطائها،
لحبّ الوطن ولمن يتمون صلاة الرحمة
لينسجوا معًا لوحةً من إخلاص وحنان،
تخلّد اسمها، وتخلّد قيمتها، وتعلّم الأجيال معنى الوفاء
ولمن رحلت عنهم… لم تُغلق الأم بابها،
بل تركت رسالتها تنساب عبر الزمن،
كالنور الذي لا ينطفئ،
كالظل الذي يظلّ يحمي القلوب حتى بعد الرحيل.
كل فعل خير، كل كلمة دفء، كل ابتسامة صادقة…
هي جزء من رسالتها، امتداد لحنانها، وفاء لما زرعته فينا،
ولكل روح لم تعد تراه، صارت هي السند الذي لا يكلّ،
والصوت الذي يهمس في وجداننا: استمروا… أحبوا… كما علمتكم،
فالرحلة لم تنتهِ برحيلها، بل بدأت تتجسّد في كل من يحمل في قلبه أثرها.
هي رسالة لا تعرف الغياب،
وفاءٌ يشبه الصلاة،
وعهدٌ يُستكمل من نورها،
ليكون دربها طريقًا لنا، ودفء قلبها سبيلًا لكل تعلم النور والرحمة والحكمة
الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .