بمناسبةِ عيدِ الأم…
تتوقّفُ الحروفُ قليلًا، وكأنّها تستأذنُ قلبًا أكبرَ منها،
قلبًا اسمهُ “الأم”،
ذلك النبضُ الذي لا يُشبهُ شيئًا، ولا يُقاسُ بشيء.
أمّي…
يا من وهبتِ الحياةَ مرتين،
مرةً حين حملتِنا في صمتِ الألم،
ومرّةً حين ربَّيتِنا على الصبرِ والأمل.
يا من أعطيتِ دونَ حساب،
وضحيّتِ دونَ انتظار،
وآثرتِنا على نفسكِ في كلِّ حين،
حتى صار عطاؤكِ قانونًا لا يُكتب، بل يُعاش.
في عيدكِ،
نحاولُ أن نقولَ شيئًا يليقُ بكِ،
لكنّنا نعودُ فنكتشفُ أنَّ كلَّ ما يُقالُ
لا يتجاوزُ حدودَ الامتنان،
وأنتِ أوسعُ من كلِّ التعبير.
أمّي…
يا مصدرَ الحنانِ حين تضيقُ بنا الحياة،
ويا ملجأَ الوفاءِ حين تخذلُنا الطرق،
كنتِ الحضنَ الذي لا يسأل،
والقلبَ الذي يغفرُ قبلَ أن نعتذر،
والدعاءَ الذي يسبقُ خطانا أينما ذهبنا.
أنتِ التي بنيتِ الإنسانَ فينا،
فبنيتِ المجتمعَ من حولنا،
وربَّيتِ الأبناءَ على القيمِ قبلَ الكلمات،
فأنجبتِ أُمّةً تعرفُ معنى الكرامة،
وتحملُ في داخلها نورَ التربيةِ الصادقة.
أمّي…
يا مدرسةً لم تُكتب دروسُها في الكتب،
لكنّها سكنت فينا سلوكًا وأثرًا،
علّمتِنا أنَّ الكرامةَ تُصان،
وأنَّ الحبَّ عطاء،
وأنَّ الصبرَ طريقُ النجاة.
سنواتُ نضالكِ من أجلنا
ليست مجرّد زمنٍ مضى،
بل تاريخٌ حيٌّ يسكنُ تفاصيلنا،
في خطواتنا، في قراراتنا، في كلِّ نجاحٍ نحمله.
كم أخفيتِ تعبكِ كي لا نضعف،
وكم ابتسمتِ وفي القلبِ وجع،
وكم دعوتِ لنا في خفاء الليل،
حتى صار دعاؤكِ حصنًا نحتمي به دون أن نراه.
أمّي…
يا ابنةً كبرتْ لتصيرَ عطاءً لا ينضب،
ويا وطنًا حين تضيقُ بنا الأوطان،
نعودُ إليكِ فنجدُ الأمان،
وننحني أمامكِ احترامًا… لا لأننا مجبرون،
بل لأنكِ تستحقّين كلَّ انحناءةِ حب.
في عيدكِ،
لا نحتفلُ بيومٍ عابر،
بل نحتفلُ بحياةٍ كاملةٍ اسمها “أم”،
نحتفلُ بقلبٍ لم يتوقّف عن العطاء،
وبروحٍ جعلت من التضحياتِ نورًا.
فدمتِ يا أمّي
حكايةً لا تنتهي،
ونورًا لا ينطفئ،
وقلبًا إذا ضاقت الدنيا… اتّسع لنا.
كلُّ عامٍ وأنتِ الحياة،
وكلُّ عامٍ ونحنُ بكِ… وبحبِّكِ… نكون.
اللهمَّ ارحم أمي رحمةً واسعة،
واغفر لها ذنوبها، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة،
اللهم آنس وحدتها، ونوّر مرقدها،
واجعل ما قدّمته لنا في ميزان حسناتها،
وارفع درجاتها في عليين،
واجمعني بها في جناتك جنات النعيم،
يا رب اجعل دعائي لها نورًا يصلها، ورحمةً تغشاها،
فهي لم تكن أمًّا فقط… بل كانت حياةً كاملة.
فدمتِ يا أمّي في الدعاءِ ذكرى لا تغيب،
وفي القلبِ حبًّا لا يموت،
وكلُّ عامٍ وأنتِ في رحمةِ الله ورضوانه
د.مقبول عزالدين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .