أمي…
نبعٌ لا ينضب وإن غاب.
أكتب اليوم لا لأصف، بل لأعترف، ولأضع قلبي بين يديكِ يا أمي… وقد صرتِ في الغياب حضورًا أعمق.
قبل أن تمسك يدي بالقلم، وقفتُ طويلًا أمام بياض الورقة، أحاول أن ألتقط معنى يليق بكِ…
معنى يسبق الحروف ولا تحدّه اللغة.
هذه ليست كلماتٍ عابرة، بل زفيرُ وجدانٍ طال احتباسه، وآن له أن يفيض… محمّلًا بحنينٍ لا يُقال، وشوقٍ لا يُحتمل.
كيف لي أن أبدأ؟
وأنتِ يا أمي لستِ بدايةً فحسب، بل أنتِ الأرضُ التي نبتُّ فيها، والسماءُ التي أظلّتني، والمعنى الذي بدونه تصبح اللغةُ أصواتًا بلا روح.
أحاول أن أرتّب هذا الامتداد الفوضوي من المشاعر، علّني أضع قبسًا من نوركِ في جملٍ تعرف عجزها، لكنها تصدق في حبّها.
حين أعود بذاكرتي إلى مسارات حياتي، وإلى خطواتي الأولى المحفورة في أعماق القلب، أدرك أنكِ لم تكوني خيطًا في نسيج أيامي… بل كنتِ النسيج كلّه.
كل نجاحٍ بلغته، كان امتدادًا لدعائكِ الذي كان يصعد في جوف الليل، حين كان العالم نائمًا… وكنتِ أنتِ الساهرة.
وكل عثرةٍ تجاوزتها، كانت بفضل النور الذي زرعتِهِ في بصيرتي، حتى في تلك الليالي التي ظننتُ فيها أن العتمة ستبتلعني.
أمي…
يا من رحلتِ جسدًا، وبقيتِ روحًا تسكن تفاصيلي…
أنتِ المنارة التي لا تنطفئ، مهما اشتدت العواصف، أو طال البعد بين "هنا" و"هناك".
كنتِ أولَ من يزهر لفرحي، وأولَ من ينكسر بصمتٍ لألمي، وأولَ من يمدّ يده قبل أن تنطق حاجتي.
ومن خلالكِ، تعلّمت أن الحب ليس كلماتٍ تُقال، ولا قصائد تُزيّن المناسبات، بل هو تضحية صامتة، ووفاءٌ لا يتبدّل.
وهنا، أقف وقفة إجلال…
لكِ، ولكل أمٍّ غابت وبقيت أثرًا لا يُمحى، ونورًا لا يخبو.
لقد علّمتني رحلتكِ أن الأمومة لا تنتهي بالموت، بل تتحوّل إلى حضورٍ خفيّ يحرسنا، وإلى دعاءٍ يسندنا، وإلى طمأنينةٍ تتسلل إلى أرواحنا كلما ضاقت بنا الحياة.
رأيتُ فيكِ كيف يمكن للمرأة أن تكون جيشًا من الصبر، في جسدٍ بسيط…
وكيف يمكن للحنان أن يبني بيتًا، حتى فوق قسوة الأيام.
ومن وجع الفقد الذي علّمتِني كيف أحتمله، أقول لكل من لا تزال أمه إلى جانبه:
تمسّك بهذا النور…
قبل أن يتحوّل إلى ذكرى.
فالبيت بلا أمّ، ليس بيتًا…
والحياة بلا رضاها، طريقٌ بلا وجهة.
الأم ليست يومًا في تقويم، ولا مناسبةً عابرة…
بل هي الأصل الذي نقف عليه، والمعنى الذي نحيا به.
وفي هذا اليوم…
وفي كل يوم، أقول لكِ:
شكرًا.
شكرًا لا لما فعلتِ فقط، بل لما كنتِ عليه…
من نقاءٍ لا يتكرر،
ومن طهرٍ لا يُنسى.
شكرًا لصبركِ الذي لم يُعلن، ولحبكِ الذي لم ينتظر مقابلًا.
شكرًا لأنكِ تركتِ في داخلي إنسانًا، كلما نادوه باسمكِ…
شعر أنه يَدين لكِ بكل شيء.
أنتِ الحب الذي لا تنهيه الأيام…
والوفاء الذي لا يُبدّله الغياب.
أنتِ النجم الذي يضيء عتمتي…
والجبل الذي أستند إليه، حتى بعد أن غاب.
أسأل الله أن يتغمدكِ بواسع رحمته، وأن يجعل مقامكِ في أعلى جناته، جزاءً لما أعطيتِ وما صبرتِ.
وفي ختام هذا البوح…
لا أملك إلا أن أعود إلى بساطة الكلمة الأولى، وصدقها:
شكرًا أمي…
لأنكِ كنتِ أجمل ما في حياتي،
ولأنكِ ما زلتِ…
طريقي إلى الخير، كلما ضللت.
بقلم:
د. محمد شعوفي
22 مارس 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .