عبروا بنا… قراءة في أثر العابرين،،
“ليس كل من يرحل يغيب، فبعضهم يتحول إلى أثرٍ يعيد تشكيلنا من الداخل.”
في حياة الإنسان لحظات لا تُقاس بزمنها، بل بأثرها…
تمرّ كأنها عابرة، لكنها تترك في الداخل ما لا يُمحى.
وهذا النص لا يتناول الرحيل بقدر ما يتأمل ما يخلّفه الراحلون فينا،
ذلك التحوّل الصامت الذي يعيد تشكيل وعينا،
ويجعلنا، دون أن نشعر، أشخاصًا آخرين.
عبروا بنا…
فتركوا على الأكتاف أوزان الرحيل،
وعبرناهم…
وفي المدى رجعُ الأنين الطويل.
هم أخذوا الضوء من عيوننا،
وتركوا لنا رماد الحنين،
أتيناهم نغنّي للحياة،
فأطفأوا اللحن في صدورنا، وقالوا: هذا هو اليقين!
غادرناهم لا نملك سوى
قلبٍ تكسّر بين بابين…
بابُ انتظارٍ لم يُفتح،
وبابُ وداعٍ ما أُغلق.
ثم مضينا…
لا كما كنّا، بل كما تركونا،
نحمل فينا بقايا أثرٍ لا يهدأ،
ونعيد ترتيب فوضى الشعور
بمحاولاتٍ تشبه النجاة أكثر مما تشبه الفهم.
نمضي،
ونتعلّم كيف نتعايش مع ما لا يُفسَّر،
وكيف نسكن ما لا يُحتمل،
وكأن الإنسان لا ينضج إلا حين
يتقن حمل ما لا يستطيع إسقاطه.
فالذين يعبروننا بعمق،
لا يرحلون كما يبدو،
بل يستقرّون في طبقاتٍ خفية من وعينا،
يتحوّلون من وجوهٍ عابرة
إلى بنيةٍ داخلية
تغيّر طريقة رؤيتنا لكل شيء.
إنهم لا يأخذون الضوء فقط،
بل يعلّموننا كيف نرى في العتمة،
ولا يتركوننا للحنين،
بل يكشفون لنا أن الحنين
ليس ضعفًا… بل وعيٌ متأخر بقيمة ما كان.
وهنا يتبدّل السؤال…
لا: لماذا رحلوا؟
بل: ماذا صنعوا بنا قبل أن يرحلوا؟
لأن بعض العابرين
لا يُقاس حضورهم بمدّته،
بل بعمقه،
ولا يُدرك غيابهم
إلا حين نكتشف أننا لم نعد كما كنّا.
فما نظنه نهاية،
يكون في حقيقته بداية أخرى،
بداية إنسانٍ أكثر وعيًا،
وأشدّ حساسية،
وأقرب إلى ذاته التي لم يكن يعرفها.
وهكذا،
لا يكون الرحيل فقدًا خالصًا،
بل إعادة تشكيل صامتة،
تجعلنا نحمل داخلنا
ملامح الذين مرّوا…
وكأنهم لم يغادروا قط.
✍️ حسين عبد الله الراشد
محاضر وباحث في الوعي النفسي والإنساني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .