الثلاثاء، 17 مارس 2026

مونودراما لشخص واحد بقلم الراقي عبد الرحيم الشويلي

 قِصَّةٌ قَصِيرَة

مُونُودْرَامَا لِشَخْصٍ وَاحِد

لَنْ أَنَامَ بِدُونِ غِطَاء…

تُسَلَّطُ بُقْعَةُ ضَوْءٍ عَلَى رَجُلٍ يَقِفُ فِي وَسَطِ الخَشَبَةِ، عَارِيَ الكَتِفَيْنِ، رَافِعًا بَصَرَهُ كَمَنْ يُخَاطِبُ نَجْمَةً بَعِيدَةً:

الرَّجُلُ:

فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ…

لَنْ أَتْرُكَ العَالَمَ كَمَا وَجَدْتُهُ.

سَأُحَوِّلُ الدِّمَاءَ أَنْهَارًا مِنَ السَّكِينَةِ،

وَأُطْفِئُ البَنَادِقَ بِكَفَّيَّ،

وَأُعَلِّمُ الجُنُودَ أَنْ يَنَامُوا عَلَى صُدُورِ أُمَّهَاتِهِمْ بَدَلَ حَوَافِّ الخَنَادِقِ.

(يَتَقَدَّمُ خُطْوَةً، يَرْفَعُ يَدَهُ كَمَنْ يَرْسُمُ مُسْتَقْبَلًا)

سَأُعِيدُ لِلْمَاءِ حَيَاءَهُ،

وَأَجْعَلُهُ يَصِلُ إِلَى أَفْوَاهِ العِطَاشِ دُونَ أَنْ يَخْتَطِفَهُ أَحَدٌ.

وَسَأُلْقِي طَعَامِي فَوْقَ مَوَائِدِ الجَائِعِينَ…

بَلْ سَأَزْرَعُ قَمْحًا فِي رِمَالِ الصَّحْرَاءِ،

وَأَزْرَعُ ضَحِكَاتِ الأَطْفَالِ فِي وُجُوهِ الجُنُودِ المُتَجَهِّمِينَ.

(يَضْحَكُ بِخِفَّةٍ، كَأَنَّهُ وَجَدَ الحِكْمَةَ)

سَأَجْعَلُ مِنَ اللَّيْلِ صَدِيقًا،

وَمِنَ النَّهَارِ طَرِيقًا طَوِيلًا نَحْوَ الحُرِّيَّةِ.

سَأَفْتَحُ أَبْوَابَ السُّجُونِ،

وَأَقُولُ لِلْمُسْتَعْبَدِينَ:

اُخْرُجُوا…

فَالسَّمَاءُ لَا تُوَقِّعُ عُقُودًا مَعَ السَّلَاسِلِ.

(يَقْتَرِبُ مِنْ مُقَدِّمَةِ الخَشَبَةِ)

سَأُعِيدُ تَلْوِينَ الأَرْضِ…

أَغْمِسُ الرِّيحَ فِي أَخْبَارِ الفَرَحِ،

وَأُرْسِلُهَا لِتَطْرُقَ شَبَاكَ المُدُنِ الَّتِي نَسِيَتْ كَيْفَ تَبْتَسِمُ.

وَبَعْدَهَا…

سَأَجْلِسُ عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ

وَأَتَفَرَّجُ عَلَى العَالَمِ وَهُوَ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَكُونُ إِنْسَانًا.

(يَصْمُتُ لَحْظَةً، يَضَعُ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ)

نَعَم…

هَذِهِ اللَّيْلَةَ سَأَكُونُ رَسُولَ السَّلَامِ، أَبَ البَشَرِ،

وَسَأُرِيهِمْ أَنَّ عَالَمًا وَاحِدًا يَكْفِي لِلْجَمِيعِ

إِذَا تَوَقَّفْنَا عَنِ الدَّفْنِ، وَبَدَأْنَا فِي الزَّرْعِ.

(تَنْخَفِضُ الإِضَاءَةُ تَدْرِيجِيًّا. يَعُودُ الضَّوْءُ خَافِتًا. يَجْلِسُ عَلَى الأَرْضِ مُنْكَبِئًا عَلَى نَفْسِهِ)

الرَّجُلُ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ:

بَرْد…

مَا هَذَا البَرْدُ؟

أَيْنَ… أَيْنَ غِطَائِي؟

(يَبْحَثُ حَوْلَهُ، يَدَاهُ تَرْتَعِشَانِ)

كُلُّ هَذَا…

كُلُّ هَذَا الضَّجِيجُ الَّذِي فِي رَأْسِي…

الحُرُوبُ الَّتِي أَنْهَيْتُهَا…

وَالمِهَامُّ الَّتِي أَنْجَزْتُهَا…

وَالحُرِّيَّةُ الَّتِي مَنَحْتُهَا…

أَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ حُلْمًا؟

(يَرْفَعُ رَأْسَهُ نَحْوَ الجُمْهُورِ بِعَيْنَيْنِ بَيْنَ الإِعْيَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ)

أَصْلَحْتُ العَالَمَ كُلَّهُ…

وَلَكِنِّي نِمْتُ بِلَا غِطَاءٍ.

(يَضْحَكُ ضَحِكَةً قَصِيرَةً مُحْزِنَةً)

يَا لِسَخَاءِ الأَحْلَامِ…

وَيَا لِبُؤْسِ الوَاقِعِ!

(يَقِفُ بِبُطْءٍ، يَضُمُّ ذِرَاعَيْهِ حَوْلَ جَسَدِهِ)

سَأَنَامُ فِي اللَّيْلَةِ القَادِمَةِ مُتَدَثِّرًا بِبِطَّانِيَّتِي…

فَلَنْ يَسْتَطِيعَ المَرْءُ أَنْ يَهَبَ الدِّفْءَ لِلْعَالَمِ

إِذَا كَانَ مَحْرُومًا،

وَيَنَامُ دُونَ غِطَاءٍ…

(يَنْطَفِئُ الضَّوْءُ)

القَاصّ

د. عَبْدُ الرَّحِيمِ الشُّوَيْلِي

القَاهِرَة

17 مَارِس / آذَار 2026م ✨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .