خبايا الدهر
أمِنْ طَلَلٍ بالدَّوِّ أمسى مُتَيَّمِ
كَبَقْيَا وشومٍ في نواشرِ مِعصَمِ
وقفتُ به والريحُ تعبثُ تُربَهُ
وتسألُ عن أهلِ الرُّبوعِ الخَوَالِمِ
فما ردَّ إلا الصمتُ والصخرُ واجمٌ
كأنَّ به سرًّا من الدهرِ كاتمِ
رأيتُ الليالي وهي تمضي كأنها
جيادُ بريدٍ لا تني عن تقدُّمِ
فما الدارُ إلا ظلُّ يومٍ معارَةٍ
يُقيمُ قليلًا ثم يمضي لِعَالَمِ
وما الناسُ إلا عابرونَ منازلًا
يُقيمون حينًا ثم يَفنونَ كالحُلُمِ
وكم منزلٍ كانت تُطيفُ بظلِّهِ
وجوهُ المعالي والندى والتكرُّمِ
غدا بعدهم مأوى الرياحِ كأنَّهُ
حديثُ فناءٍ في فمِ الصخرِ الأبكمِ
فقلتُ لنفسي والليالي شهودُها
رويدك إن الدهر بحرُ التصرُّمِ
يُداولُ بين الناس عزًّا وذلَّةً
ويطوي وجوه المجد طيَّ السجلِّ
رأيتُ الفتى لا يُستبانُ جوهرُهُ
إذا هو لم يُمتحنْ بضيقٍ ومأتمِ
ففي المِحنة الكبرى تلوحُ معادنٌ
تغيبُ بزهو الأمن والعيش المنعَمِ
وما المجدُ إلا صبرُ نفسٍ أبيةٍ
إذا ضاق وجه الدرب لم تتجهَّمِ
وليس الغنى كثرة المال إنما
غنى النفس أن ترضى وتصبر للعدمِ
ومن يجعل الإحسان بابًا لعرضهِ
يبت آمنًا من نهشة المتكلِّمِ
ومن يزرع الإحسان يحصد مودَّةً
ومن يزرع البغضاء يحصد من الندمِ
ومن لم يزن قولًا بعقلٍ يصونه
يعش كسير الرأي منهدَّ المعاصمِ
ومن هاب أسباب المنايا ينلنَه
ولو رام أبواب السماء بسُلَّمِ
إذا المرء لم يرفعْه علمٌ وهمّةٌ
هوى وهو لا يدري هويَّ التهدُّمِ
وما المرء إلا سيرةٌ في صحائفٍ
إذا طاب مسعاها فخير المختتمِ
ومن يحمل الأخلاق فوق مشقةٍ
يعش في وجوه الناس أكرم مبسمِ
ومن يتخذ صدق اللسان سجيّةً
ينل رفعةً في السر غير موهَّمِ
رأيتُ الزمان يُذلُّ قومًا بعزِّهم
ويرفع أقوامًا بغير التقدُّمِ
فلا تحسبن الدهر يبقى على امرئٍ
فكل امرئ يومًا رهين التقضُّمِ
وقد أدبتني الحادثات فلم أعد
أساير طيش الظن سير المتيمِ
وعلمتني أن الحليم هو الذي
يرد لهيب الغيظ برد التحلُّمِ
وأن الكريم الحر من ضاق مالُه
فلم يضق المعروف في كفِّه الكرمِ
وأن ابن آدم لا يقاس بظاهرٍ
ولكن بما يبني من الفعل المحكمِ
فكم من لبيب لا يُرى فيه ميسمٌ
وفي صدره بحر من الرأي ملتطمِ
وكم من جهول راقه حسن منظرٍ
فكان سرابًا خادع اللمع منعدمِ
سألتُ الزمان: بأي شيء يُخلَّد الـ
فتى؟ قال: صدق العزم لا كثرة الخدمِ
وخُذ من رماد الحادثات توهجًا
فإن انبعاث النار يولد من رممِ
وإن ضحكت لك كل دنياك فاعتبر
فإن ابتسام الدهر طعم التصرُّمِ
فيا دهرُ قد خبرتُ سرَّ تقلبٍ
رأيتُ به وجه الحقيقة يبتسمِ
سأمضي وإن عضَّت نوابك مهجتي
مضيَّ الجواد الصيد في اليوم المعلمِ
وما أنا إلا ما تُشيِّده التقى
ويكتبه في سفر أيامي القلمُ
فإن سقط الجسد المكدود مرةً
فإني سأبقى في المعالي ولم أرمِ
وإن متُّ خلَّفتُ المكارم شاهدًا
بأنّي مررت
هنا عزيزًا مكرَّمِ
أشيِّد بالمجد المؤثَّل ذكرتي
إذا هدم الدهر العظام ولم يهدِمِ
⸻
السيد عبدالملك شاهين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .