أنا ما يتبقّى حين تفشل الهوية
إبراهيم العمر
كوني لا مجرد حضورٍ عابرٍ في تضاريس أيامي، بل كينونةً تتخلّلني كما يتخلّل المعنى صمت اللغة قبل أن تُنطق، وكما يسري الضوء في عتمةٍ لا تعترف بوجوده إلا حين يلامسها. لا أريدكِ حدثًا في حياتي، بل شرطًا من شروط إمكانها، ضرورةً خفيّة تسبق الوعي بي وتعيد تشكيله كلّما توهّمتُ أنني أدرك نفسي.
ودعيني، لا كزائرٍ يستأذن، بل كامتدادٍ يتشكّل فيكِ دون قرار، أن أكون في حياتكِ كما تكون الجذور في سرّ الشجرة: لا تُرى، لكنها وحدها تعرف كيف تُبقي الوجود قائمًا. دعيني أستوطن ضفافكِ لا كماءٍ يمرّ، بل كارتعاشٍ دائمٍ بين الانسياب والتلاشي، حيث لا أعرف إن كنتُ أنا الذي ألامسكِ، أم أنكِ التي تعيدين اختراعي مع كل موجة.
أريد أن أعيش فيكِ كما تعيش العروق الدقيقة في جسد الجرير: هشّة، شفافة، لا تدّعي القوة، لكنها تعرف سرّ الامتداد، وتستمدّ حياتها من خضوعها الكامل لتيارٍ لا تفكّر فيه. أن تأخذني لمساتكِ كما يأخذ الماء ما لا يقاومه، لا لأني أستسلم، بل لأنني أكتشف أن المقاومة وهمٌ اخترعناه لنؤجل الذوبان.
جرّديني من أوراقي، من تلك الطبقات التي ظننتها يومًا أنا، من هلوساتي التي كانت تبدو لي وعيًا، ومن وعيي الذي لم يكن سوى هلوسةٍ أكثر أناقة. اتركيني عاريًا من نفسي، كي أكتشف إن كان فيّ شيءٌ يستحق أن يُدعى وجودًا.
ودعيني أنام، لا نوم الجسد، بل نوم الكينونة، على رقرقة تنهيداتكِ، حيث يتحوّل الصوت إلى فراش، ويغدو التنفّس إيقاعًا كونيًا يعلّمني كيف أكون دون أن أفكّر في الكينونة.
وقد لا تشعرين بي، لأنني لن أكون ذلك الحضور الذي يُدرك، بل ذلك الانزلاق الخفي بين لحظات إدراككِ، ذلك الشرود الذي يتفتح في حدائقكِ دون أن يُنسب إليّ. سأكون في أزهاركِ كما تكون الرائحة: لا تُرى، لكنها تغيّر كل شيء.
وفي غيبوبتي، تلك التي ليست فقدانًا للوعي بل تحررًا منه، سأكون مثل قطارٍ يندفع في نفقٍ لا نهاية له، لا لأنه يبحث عن مخرج، بل لأنه أدرك أن الحركة نفسها هي المصير. خلف جدران وعيكِ، حيث لا تصل التعريفات ولا تنجح اللغة، سأقيم كاحتمالٍ لا يُثبت ولا يُنفى.
وقد يأتي وقت، كما تأتي كل الأشياء التي لا تُنتظر، أعود فيه إلى دواليبي وأدراجي، لا كمن ينسحب، بل كمن يعيد ترتيب فوضاه ليجعلها قابلةً لأن تُحتمل. سألمّ شتاتي كما تُلمّ الريح أوراق الخريف، دون وعدٍ بإعادتها إلى الشجرة.
وسأسحب من عينيكِ، بهدوءٍ يكاد يكون اعتذارًا، تلك التعابير التي كانت تفضح ارتباكي، كأنني أستعيد ذاتي من مرآتكِ، أو أحرّركِ من انعكاسي فيكِ.
فإن شعرتِ، في لحظةٍ لا تشبه سواها، أن دموعي قد بلّلت أوراقكِ، فلا تبحثي عني في البلل، بل في ما تركه من أثرٍ لا يُرى: ذلك الأثر الذي يثبت أنني كنتُ، ولو للحظة، أكثر من فكرة… وأقل من يقين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .