اللَّاشَيْءُ المُكْتَمِل
خَلَعْتُ قَمِيصَ الطِّينِ في عَتَبَةِ الرُّؤيَا
وأَسْلَمْتُ لِلنِّسْيَانِ ذَاكِرَةَ الدُّنْيَا
وقُلتُ لِظِلِّي: عُدْ إلَى الشَّمْسِ، لا مَدًى
يُرَافِقُنِي فِيهِ السَّرَابُ إذَا أَحْيَا..
أنَا الآنَ أَمْشِي فِي انْعِدَامِي مُجَرَّداً
كَمَعْنًى تَشَظَّى قَبْلَ أَنْ يَلْبَسَ الفَتْوَى.
رَأيْتُ الوُجُودَ المَحْضَ نُقْطَةَ حِبْرٍ
تَدُورُ عَلَى عَمْيَاءَ فِي لُجَّةِ السِّرِّ
ومِنْ نُقْطَةٍ سَالَتْ مَجَرَّاتُ وَهْمِنَا
فَكُلُّ اتِّسَاعٍ فِي الحَقِيقَةِ كَالذَّرِّ!
شَرِبْتُ كُؤوسَ الفَرَاغِ فَلَمْ أَرْتَوِ
لِأَنِّي أَنَا السَّاقِي، ومِنْ مُهْجَتِي سِرِّي.
إذَا قُلْتُ "أنْتَ"، انْشَقَّ صَدْرِي مُوَبِّخاً:
أَفِي حَضْرَةِ التَّوْحِيدِ تَبْحَثُ عَنْ غَيْرِي؟
أَدُورُ..
ولا أَرْضٌ تَدُورُ بِأَسْفَلِي
ولَكِنَّ قَلْبِي مِحْوَرٌ لِلتَّجَلِّي
أنَا قُطْبُ هَذَا التِّيهِ، دَرْوِيشُ حَيْرَتِي
عَبَاءَتِيَ السَّبْعُ الطِّبَاقُ، ومِنْجَلِي
يَقِينٌ يَحُزُّ الشَّكَّ مِنْ جِذْرِ جِذْرِهِ
لِيُثْبِتَ أَنَّ الشَّكَّ أَوَّلُ مَنْزِلٍ!
تَمَاهَيْتُ حَتَّى صَارَ بَعْضِيَ كُلَّهُ
وَغِبْتُ بِمَحْوِي عنْ صِفَاتِي وعَنْ شَكْلِي..
فَلَوْ أَبْصَرَتْنِي النَّارُ، قَالَتْ: بُرُودَةٌ!
وَلَوْ لَمَسَتْنِي الكَأْسُ، نَشْوَتُهَا تَغْلِي!
تَعَلَّمْتُ أَنَّ المَاءَ يَعْطَشُ إنْ جَرَى
بِلَا غَايَةٍ، إلَّا التَّسَرُّبَ فِي الثَّرَى
وأَنَّ عَمَى الأَبْصَارِ نُورٌ مُؤَجَّلٌ
ومَنْ يَرَ بِالعَيْنَيْنِ يُبْصِرْ لِيَعْمَيَا!
وأَنَّ ثَبَاتَ الجِسْمِ أَقْصَى تَحَرُّكٍ
وأَنَّ سُكُونَ الرُّوحِ أَعْنَفُ مَا يُرَى.
فَلَا تَطْلُبِ المَعْنَى مِنَ اللَّفْظِ، إنَّمَا
تَمُوتُ المَعَانِي حِينَ نُلْبِسُهَا الكَلِمَا
كِتَابُكَ فِي جَنْبَيْكَ، فَاقْرَأْ سُطُورَهُ
فَمَا خَارِجَ الإنْسَانِ.. أَوْرَقَ فِي الأَعْمَى.
أَنَا اللَّيْلُ.. يَشْكُو مِنْ شَرَاهَةِ فَجْرِهِ
أنَا الفَجْرُ.. يَبْكِي فِي مَشَانِقِ عَصْرِهِ
جَمَعْتُ نَقِيضَيْنَا بِمِشْكَاةِ بَصِيرَتِي
فَصَارَ الهَوَى سَيْفاً يُخَلِّصُ مِنْ أَسْرِهِ.
فَمَنْ لَمْ يَذُقْ طَعْمَ الفَنَاءِ بِذَاتِهِ
تَعِشْ حَيَاتُهُ مَيْتَةً دَاخِلَ قَبْرِهِ.
تَلَاشَيْتُ حتَّى صِرْتُ أَثْقَلَ مِنْ جَبَلْ
وَغِبْتُ، فَلَمَّا غِبْتُ.. وَجْهُ اليَقِينِ طَلْ
أنَا نُقْطَةُ "البَاءِ" الَّتِي تَحْتَ سِرِّهَا
طَوَتْ عَالَمَ الإمْكَانِ فِي جَوْفِهَا الأَجَلْ.
عَرَفْتُ، فَلَمْ أَنْطِقْ. ومَنْ يَعْرِفُ البَقَاءْ
يَخِطُّ رُمُوزَ الصَّمْتِ فِي حَنْجَرِ الأَزَلْ.
هُنَا.. حَيْثُ لا "أَيْنَ" يُحِيطُ بِوِجْهَتِي
ولا "كَيْفَ" يُدْنِي مِنْ مَدَارِجِ غَايَتِي
رَمَيْتُ بِمِفْتَاحِ السُّؤَالِ لِأَنَّنِي
وَجَدْتُ جَوَابَ الكَوْنِ يَنْبِضُ فِي رِئَتِي
فَلَمْ يَبْقَ مَطْلُوبٌ، وَلَمْ يَبْقَ طَالِبٌ
تَسَاوَى جَلَالُ القَصْدِ فِي عَيْنِ خَطْوَتِي!
خُذُوا كُلَّ هَذَا الطِّينِ.. رُدُّوهُ لِلثَّرَى
فَقَدْ عَادَ طَيْرُ الرُّوحِ لِلنُّورِ وانْجَلَى
وخَلُّوا رُسُومَ الحَرْفِ تَبْكِي عَلَى السَّطْرِ
فَمَا أَنَا إلَّا "اللَّاشَيْءُ" مُكْتَمِلاً.. بَلَى!
أنَا الصَّوْتُ لَمَّا مَاتَ فِي حِضْنِ رَجْعِهِ
لِيُولَدَ مِنْهُ المُطْلَقُ الرَّحْبُ والمَدَى.
الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .