كل يوم قصة... من رمضان
اليوم الرابع عشر
ما بقي من رمضان
أحمد سعود عوض
في اليوم الرابع عشر من رمضان، عاد سامر إلى البيت القديم بعد غياب سنوات طويلة.
لم يكن الغياب طويلًا جدًا في حساب الزمن، لكنه كان كافيًا ليجعل كل شيء يبدو مختلفًا قليلًا. الطريق نفسه ما زال يمرّ بين البيوت المتلاصقة، والمئذنة ما زالت ترتفع فوق سطح المسجد القديم، لكن الإحساس الذي كان يرافق رمضان لم يعد يأتي بالطريقة ذاتها.
توقف لحظة أمام الباب الخشبي.
في الماضي، كان رمضان يبدأ قبل أن يبدأ فعلًا. كان يشعر به في حركة الناس في الشارع، في أصوات الباعة عند العصر، وفي الضوء الذي يتسلل من النوافذ قبل الإفطار بقليل. كان الشهر يدخل البيوت دون استئذان ويغيّر إيقاع الأيام كلها.
أما الآن، فقد جاء بهدوء أكبر.
فتح الباب ودخل.
كان البيت أهدأ مما يتذكر. الجدران نفسها، والسقف نفسه، لكن المساحة بدت أوسع قليلًا، كأن الغياب ترك فراغات لا تُرى.
في وسط الغرفة بقيت الطاولة القديمة.
لم تعد ممتدة كما كانت في الماضي، لكن الأم وضعت فوقها ما يكفي من الأطباق لشخصين. تحرّكت في المطبخ بصمت، ثم خرجت تحمل طبق الشوربة.
قالت بابتسامة خفيفة:
"وصلت في الوقت المناسب".
جلس سامر إلى الطاولة.
في ذاكرته ظهرت صورة بعيدة: المائدة نفسها، لكنها كانت تمتد حتى طرف الغرفة. كان إخوته يجلسون حولها، يتزاحمون قليلًا، ويعدّون الثواني قبل الأذان. من المطبخ كانت تصل رائحة الخبز الساخن، وكان والده يرفع رأسه نحو النافذة منتظرًا الصوت الذي سيعلن بداية الإفطار.
وكان الأب يقول دائمًا وهو ينظر إلى الساعة:
"رمضان لا يبدأ بالأذان… بل حين نجتمع حول المائدة."
آنذاك كانت تلك اللحظة تبدو عادية جدًا.
لكنها كانت ممتلئة بشيء لم يكن يعرف اسمه.
عاد إلى الحاضر.
الطاولة أصغر، والكراسي أقل.
بعض الأماكن التي كانت مشغولة في الماضي بقيت فارغة الآن.
رفع نظره نحو الكرسي المقابل.
كان هذا هو المكان الذي يجلس فيه والده دائمًا.
حتى الآن… ما زالت ساعته القديمة معلّقة على المسمار قرب النافذة.
لاحظ أن أمه وضعت على الكرسي طبقًا صغيرًا دون أن تنتبه.
ربما كانت عادة قديمة لم تفكر في تغييرها.
مدّت يدها بهدوء وأزاحت الطبق قليلًا، ثم مسحت مكانه بطرف المنديل، كأنها تخشى أن يلاحظ أحد غياب صاحبه.
في تلك اللحظة انطلق الأذان من المسجد القريب.
ساد صمت قصير.
ثم قالت الأم بصوت خافت:
"تفضل".
أخذ سامر التمرة الأولى.
بين صوت المؤذن البعيد، ورائحة الشوربة، وحركة الملاعق الخفيفة فوق الصحون، شعر أن شيئًا قديمًا عاد للحظة قصيرة. لم يعد كما كان تمامًا، لكنه مرّ مثل ظلّ مألوف.
نظر إلى أمه.
كانت تجلس بهدوء، كما لو أن السنوات مرّت حولها لا عليها.
قال فجأة:
"تتذكرين كم كنا نكون هنا؟"
ابتسمت قليلًا.
"نعم… كان البيت يضيق بن".
ساد صمت قصير.
ثم قالت:
" البيت نفسه… لكن الصوت فيه صار أقل".
ظلّ يفكر في كلماتها.
كان يظن أن رمضان تغيّر. أن الشوارع فقدت ضجيجها القديم، وأن البيوت لم تعد تشبه نفسها.
أخذ رشفة من الشوربة.
خارج النافذة كانت السماء تميل إلى الأزرق الداكن، وصوت التراويح بدأ يتسرّب من المسجد كنسيم خفيف.
نظر سامر إلى الطاولة مرة أخرى.
مرّر عينيه على الكراسي الفارغة.
وفي لحظة قصيرة… تخيّل أن الضجيج القديم عاد.
إخوته يتكلمون في وقت واحد.
والخبز الساخن يصل من المطبخ.
ووالده ينظر إلى الساعة مبتسمًا.
كأن المائدة امتدت من جديد.
لكن حين رفع رأسه…
لم يكن في الغرفة سوى الصمت.
مدّ يده بهدوء، وسحب الطبق الذي كانت أمه قد أزاحته عن الكرسي الفارغ.
وضعه في مكانه من جديد.
ثم جلس ينتظر الأذان…
كما لو أن الباب سيُفتح بعد قليل،
ويدخل والده متأخرًا من المسجد
وهو يقول ضاحكًا:
"رمضان لا يبدأ بالأذان…
بل حين نجتمع حول المائدة".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .