في يومِ عيدكِ، يا أمّي،
أفتحُ نافذةَ القلبِ على طفولتي؛
فتدخلينَ، كما كنتِ،
نسمةً دافئةً تُهدّئُ ارتجافَ الروحِ،
وتُعيدُ ترتيبَ الفوضى في صدري.
أتذكّرُكِ...
حينَ كان السريرُ يُغنّي على يديكِ،
يتمايلُ كقاربٍ صغيرٍ في بحرِ الحنان،
وأنا أغفو على إيقاعِ دعائكِ الخفيّ،
كأنّ الليلَ لا يكتملُ إلّا بصوتكِ.
أتذكّرُ خبزَ الطابونِ،
حينَ كان يخرجُ من بينِ أناملكِ
قمرًا ساخنًا،
تفوحُ منهُ رائحةُ الأرضِ والبركة؛
لبنٌ، زيتٌ، سمنٌ، بيضٌ—
كلُّ شيءٍ كانَ أصيلًا...
تمامًا كقلبكِ.
وفي أيامِ التوجيهي،
كنتِ البابَ الذي لا يُغلق؛
كلَّ ساعةٍ،
يدُكِ تطرقُ قلقي برفقٍ،
وفيها كأسُ شايٍ، أو قهوةٌ،
وسؤالٌ صغيرٌ يضمُّ الدنيا:
"لم تنمْ بعد؟"
وكأنّكِ تحرسينَ حلمي
من تعبِ السنين.
يا أمّي...
كم سهرتِ أعوامًا طويلةً،
وكم تعبتِ لياليَ وشهورًا؛
وقلبُكِ الحنونُ
كانَ يخفقُ باسمي،
يُنادي: "حمدان"...
مرّةً، ومرّةً، ومرّة،
حتى صارَ اسمي صلاةً
على شفتيكِ.
ابتسامتُكِ—
ذلك الضوءُ الذي لا ينطفئ،
وسنُّ الذهبِ
كانَ نجمةً تُضيءُ وجهكِ،
فتعلّمتُ أنّ الجمالَ
ليسَ ملامحَ...
بل روحٌ تُنيرُ من تُحبّ.
وحينَ كبرتُ،
لم تكبري في قلبي؛
بقيتِ معي،
في كلِّ خطوةٍ،
في كلِّ نجاحٍ،
وفي كلِّ سجدةٍ
كنتِ تُوقظينني لها في رمضان،
تُوضّئينَني من نعاسِ الغفلة،
وتقولينَ: "اشربْ ماءً، وصلِّ"...
فأشربُكِ أنتِ،
وأُصلّي بكِ.
ثمّ...
رحلتِ،
بهدوءِ الذينَ يُشبهونَ الدعاء،
منذُ عشرينَ عامًا؛
لكنّكِ لم تغادري،
بل سكنتِ أكثر—
في القلبِ،
في الذكرى،
في الطريقِ الذي لا يضيعُ
ما دامَ مُضاءً بكِ.
أقفُ الآنَ حائرًا:
كيفَ أُكافئُكِ؟
أأزورُ قبركِ،
أم أتصدّقُ عن روحكِ،
أم أقرأُ القرآنَ وأهديكِ ثوابه؟
أأمهدُ ترابكِ،
وأسكبُ الماءَ فوقه
ليأتي عصفورٌ صغيرٌ
فيشربَ من بقايا حنانكِ؟
كلُّ ما أفعلُهُ... قليل،
وكلُّ ما أقدّمُهُ... لا يَفي.
رحمكِ اللهُ، يا أمّي،
وجعلَ الجنّةَ داركِ،
وجمعني بكِ
في فردوسٍ لا فراقَ فيه؛
فأنا—
وإن طالَ الغياب—
ما زلتُ ذاكَ الطفلَ
الذي ينتظرُ
أن تهزّي لهُ سريرَ الحنين
مع تحيات
الكاتب والشاعر
د محمد احمد جدعان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .