الاثنين، 16 مارس 2026

حين فكر الكون بنفسه بقلم الراقي عاشور مرواني

 حين فكّر الكون بنفسه


في البدء…

لم يكن هناك صوت.


لم يكن هناك اسم،

ولا لغة،

ولا قلبٌ يقول:

أنا.


كان هناك صمتٌ قديم،

أقدم من الضوء،

صمتٌ يجلس

في حضن العدم

كحكمةٍ لم تولد بعد.


ثم حدث شيء صغير…

شيءٌ يكاد لا يُرى.


شرارة.


ومن تلك الشرارة

انفتح باب الزمن،

وتحرّكت المجرّات

كقطع شطرنج

على رقعةٍ بلا نهاية.


وُلِد الضوء،

ووُلِد معه السؤال:


من أنا؟


وربما…

منذ تلك اللحظة

بدأ الكون

يفكّر في نفسه.


---


بعد مليارات السنين،

على كوكبٍ صغير

يدور حول شمسٍ متوسطة،

في زاويةٍ هادئة

من مجرّةٍ عادية…


فتح إنسانٌ عينيه.


لم يكن يعلم

أن في رأسه

الغبار نفسه

الذي صُنعت منه النجوم.


كان قلبه يدق…

والكون كلّه

يدق معه.


---


أيها الإنسان…


لستَ مجرد جسدٍ

يمشي فوق التراب.


أنت سؤالٌ

يمشي على قدمين.


في دمك

تجري أنهار الزمن،

وفي عينيك

ينعكس تاريخ الضوء.


وحين تنظر إلى السماء

في ليلةٍ صافية

وتسأل:


لماذا أنا هنا؟


اعلم أن الكون نفسه

يطرح السؤال ذاته

من خلالك.


---


نحن غرباء

في هذا الوجود.


نولد فجأة،

نبكي،

نتعلّم الكلام،

ثم نقضي أعمارنا

نحاول فهم الحلم

الذي وجدنا أنفسنا داخله.


نحب…

مع أننا نعلم

أن كل شيءٍ فانٍ.


نحلم…

مع أننا نعلم

أن الزمن لا يرحم.


ومع ذلك

نواصل السير.


ربما

لأن في داخلنا

شيئًا

لا يعرف الفناء.


---


أحيانًا أفكّر…


ربما ليست مهمتنا

أن نفهم الكون.


ربما مهمتنا فقط

أن نحلم به.


أن نكون العيون

التي يرى بها نفسه،

والقلب

الذي يشعر به.


ربما

كل قصيدة

ليست إلا محاولة صغيرة

ليتذكّر الكون

أنه حي.


---


تخيّل…


قبل مليارات السنين

كانت ذراتك

ترقص داخل نجمٍ قديم.


ثم انفجر النجم،

وتناثرت أجزاؤه

في ظلام الفضاء.


وسافرت الذرات

عبر العصور،

حتى اجتمعت

لتصنعك أنت.


جسدك

ليس إلا

تاريخ نجمةٍ ميتة.


وقلبك

هو آخر ضوءٍ لها.


---


أيها الإنسان…


لا تقل إنك صغير.


نعم،

أنت أصغر من المجرّات

وأضعف من الزمن.


لكن هناك شيئًا واحدًا

لا يملكه الكون كله…


الوعي.


أنت

المكان الوحيد

الذي يستطيع فيه الوجود

أن ينظر إلى نفسه.


---


حين تفكّر،

يفكّر الكون.


حين تحلم،

يحلم الكون.


وحين تحب…

يكتشف الكون

أن النجوم

ليست أجمل ما فيه.


---


ربما

في يومٍ بعيد

ستنطفئ الشمس،

وتبرد الأرض،

وتصمت المدن.


لكن فكرةً واحدة

ستبقى تلمع

في ذاكرة الوجود:


أن الكون

لم يكن مجرد مادةٍ باردة…


بل كان حلمًا عظيمًا

استيقظ لحظةً قصيرة

داخل عقل إنسان.


---


ولهذا

كلما شعرت بالضياع

تذكّر شيئًا واحدًا:


أنت لست مجرد عابر

في هذا الكون.


أنت

اللحظة النادرة

التي فتح فيها الكون عينيه

وقال:


أنا هنا…

لأن الكون

أراد أخيرًا

أن يعرف نفسه.


الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .