تمرد ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كنت متجهًا إلى العمل، أسرعت في خطاي، فقد تأخرت.
دخلت المصعد ومعي آخرون؛ وجوه لا أعرفها، لكنها تشبه وجهي في الصباحات المتأخرة.
تحرك المصعد قليلًا، ثم توقف فجأة بين الدور السابع والثامن.
سكون ثقيل، تلاه اهتزاز خفيف، ثم صمت طويل.
كتمت ضيقي. فكرت سريعًا:
ربما يكون العطل حجة مناسبة أمام المدير.
العطل معروف، الكل في المبنى سيعرف، ولا حاجة لتبرير طويل.
طمأنت نفسي، كأنها تعويض مؤقت.
بدأنا نطرق الجوانب الحديدية، نصرخ بأصوات متقطعة، حتى يسمعنا البواب.
قال أحدهم:
– «أكيد سيأتي من يسحبنا قريبًا».
مرت عشر دقائق.
ثم عشرون.
ثم نصف ساعة.
بدأ الضيق يتسلل ببطء، كالرطوبة في الجدران.
تسللت أفكار غريبة:
ماذا لو سقط بنا المصعد أثناء السحب؟
هل هذا وقت الاستغفار؟
هل يكفي الاعتذار المتأخر؟
كان يقف بجانبي شاب في أواخر الثلاثينيات.
نحيل، يرتدي قميصًا بسيطًا، وعيناه تسبحان في بحر لم يُسكب بعد.
وجهه بدا أكبر من سنه، أو ربما البلد تُكسب الناس عبء عمر مبكر.
فاضت دموعه فجأة، بلا صوت.
قلت له محاولًا طمأنته:
– «لا تقلق.. الأعطال تحدث كثيرًا».
نظر إليّ بهدوء غريب وقال:
– «أنا لست خائفًا من الموت.. أنا أرحب به».
سكتُ.
واصل هو، وكأن المصعد صار اعترافًا طويلًا:
– «جئت لأقدم على وظيفة حارس أمن.. أي بواب بقميص وبنطلون.
أنا خريج آداب.. قسم تاريخ.
طرقت كثيرًا من الأبواب، ولم يفتح لي أي باب.
ظننت ربما تنقذني من الفقر… حتى لو كانت الوظيفة أقل».
تنفس بعمق، ثم ابتسم ابتسامة باهتة:
– «يبدو أن حتى المصعد غير راضٍ».
ضحك أحد الواقفين ضحكة قصيرة، ثم عاد الصمت.
الشاب أكمل، وكأنه لا ينتظر ردًا:
– «كل يوم يقولون: غدًا أفضل.
بلدنا جميلة.. جميلة فعلًا في التلفزيون، في الإعلانات، في الأغاني الوطنية، في مواسم الانتخابات، وفي فوز المنتخب.
لكن الحقيقة هناك…»
أشار بيده في الهواء بلا اتجاه محدد:
– «في العشوائيات، في القمامة، في الذباب، وفي مستشفى بلا أطباء.
أمي كادت تموت.. ذهبت بها للمستشفى وتم تحويلي لمستشفى آخر.
أوشكت علي الموت لولا ستر الله، ولولا صعوبة الحياة على الناس».
سكت قليلًا، ثم نظر إليّ مباشرة:
– «أعطني سببًا واحدًا يجعلني أحبها.. ونحن فيها عبيد».
لم أجد سببًا.
لم أجد جملة تصلح.
مرت ساعة ونحن محبوسون.
تبادل البعض شكاوى عابرة، وآخرون صمتوا.
أما أنا، فكنت أراقب وجه الشاب، كأنه المرآة الوحيدة الصادقة في ذلك الصندوق الحديدي.
وأخيرًا، تحرك المصعد.
صوت احتكاك، اهتزاز أقوى، ثم استقرار.
فُتح الباب.
خرجنا واحدًا تلو الآخر.
عاد كل شيء إلى سرعته المعتادة:
هواتف تُخرج، مواعيد تُحسب، أعذار تُحضّر.
خرج الشاب.
لم أره بعد ذلك.
ذهبت إلى عملي متأخرًا، وقدمت العذر الجاهز.
تقبله المدير بلا اهتمام.
لكن شيئًا واحدًا لم يخرج معي من المصعد.
كلام الشاب.
ظل محبوسًا بداخلي.. أكثر من ساعة.
طارق الحلوانى
ديسمبر ٢.٢٥
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .