الخميس، 25 ديسمبر 2025

عتبة بلا عام بقلم الراقي لطفي الستي

 عتبة بلا عام

يجيء العامُ

ولا يحمل ساعةً ولا تقويماً...

يحمل وجوهنا القديمة

وقد صارت مرايا...

وجوه العمال تتحرك كعروق المدينة...

والباعة في الأزقة يوزّعون الهواء...

والأطفال الذين لا يجدون حديقةً للعب

هم نجوم خافتة في سماء الشارع...

الشارع يتنفس...

يزداد ازدحاماً...

خطوات الناس تتشابك

كأوردة المدينة...

والأحذية تطرق الأرض

كأنها طبول قلب ضائع...

وهمسات الجيران تتسرب من الشرفات

كأغاني سرّية لا يسمعها إلا من يمشي وحده...

نرفع له الكؤوس؟

لا...

نرفع له الصمت...

فهو يعرف الضجيج أكثر منّا...

الصفوف الطويلة أمام الأفران...

الوجوه المتعبة في المواصلات...

والضحك الذي يختبئ خلف الأقنعة...

وصوت الأطفال وهم يركضون في الأزقة

يعلن عن استمرار الحياة...

عن نبض المدينة الذي لا يتوقف...

في الساحات

يتصافح التعبُ مع الأمل...

وتختلط الألعاب النارية

بصرخاتٍ لم تجد سماءها بعد...

بالمتسولين الذين يطرقون الأبواب...

وبالموسيقى الخافتة من المقاهي...

تصبح كل الأصوات لحنًا واحدًا

يرسم خريطة المدينة على جلودنا...

الأطفال يكبرون دقيقةً واحدة...

والشيوخ يعودون سنةً إلى الوراء

ليتأكدوا أن الحلم

لم يمت… بل غيّر اسمه...

ليصبح حلم البقاء...

وحلم الخبز...

وحلم الضحكة الصادقة في المدينة...

وحلم أن نعرف أننا جميعاً

أوردة واحدة

في قلب الشارع الذي لا ينام...

أيها العام الجديد...

لا نطلب منك خلاصاً...

علّمنا فقط

كيف نعدّ الأيام

دون أن نفقد وجوهنا بينها...

وكيف نغنّي

حين لا يكون في الحنجرة

سوى أثر أغنية...

أغنية المشاة...

أغنية الحارات...

أغنية كل شارعٍ يعبرنا

دون أن يسألنا عن شيء...

أغنية المدينة نفسها

التي تولد وتتنفس معنا

في كل خطوة...

في 

كل نافذة...

في كل فراغ بين الناس...


       لطفي الستي/ تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .