(عذاب الوجدان)
الوجدان هو ذلك الكيان المعنوي المفعم بالجمال ، الراسخ في ذواتنا ، في أعماقنا ، الساعي نحو الخير والحق ، والمُشاد على أسس راسخة من القيم والمُثل السامية .
هذا الوجدان الجميل قد يضع صاحبه تحت وطأة عذابات تمزقه تمزيقاً ، فيصبح صاحب الوجدان كطفلٍ أبكم بريء يُعذَّب ولا يستطيع الاستغاثة .
يظهر هذا العذاب وكأنه أخرس خفيٌّ وطفيفاً ، لكنه يتفاقم شيئاً فشيئاً ، ليأخذ بتلابيب صاحبه ويستولي على النفس رويداً رويداً . يتمكن الألم والعذاب فلا يزول ولا يهدأ ، فيضطرم ناراً جحيماً بين الضلوع ، حتى يعطب الجسد ويتلف الأعضاء .
ومن هذه العذابات ، وأهمها ، عذاب وألم الحنين ، الذي يتجلى عند البعد عن الأعزاء . هذا الألم والعذاب يحدث عندما يُخلق تصور بأن المستقبل بعدهم أصبح مغلقاً وغامضاً ، وهو ما يحز في النفس ويشعرها بفقدان الأمل والأمان . يخلق هذا انحطاطاً وانطواءً قد يؤديان إلى تفكك الشخصية وضياع توازنها .
وقد يتفاقم ذلك الألم إذا ما قام الوجدان بدوره قاضياً وحاكماً على صاحبه ، وقضى بالتقصير تجاه الآخر ، وأكد أنه لم يقم تجاه هذا الآخر بالواجبات والالتزامات الأخلاقية المقدسة . فيمزق الوجدان صاحبه تمزيقاً ، ويدخله في كآبة وألم واختناق ويأس وقنوط .
عندما يدخل الوجدان هذه المرحلة ، يكون العذاب قد أخذ من صاحبه مأخذه ، فيغدو الضمير جحيماً ، وتظهر بعض الحالات باللوم والتأنيب . يزداد اللوم حتى يتخيل الإنسان أنه أخطأ في واجباته وقصَّر في أدائها ، ليغمره الحزن والألم إلى الأبد ، فلا طمأنينة ولا أمل .
وما أن يهدأ هذا العذاب حتى يعود وتندلع نيرانه من جديد ، ليهيج الوجدان مستعراً ، ويتعاظم الشعور بالإثم والتقصير والخطيئة ، وهكذا بلا هوادة ولا نهاية .
هنا لا بد لنا من الإشارة إلى حالة وجدانية فريدة ، وهي في حال كانت الذات والنفس مندمجتين ومضمحلَّتين بالوجدان قبل عذابه اندماجاً كلياً . هنا تتلذذ الذات والنفس بعذابات الوجدان لها ، وفي الوقت نفسه ، وعندما يرى الوجدان ما آلت إليه النفس من عذابات ، يدخل الوجدان في حالة التبكية على النفس ، ليصبح وجداناً دامياً قد يقتله العذاب .
ختاماً ، هناك من لا يشعر بكل ذلك ، رغم أنه ليس في غيبوبة ولا نوم ولا موت . فسَلامٌ على هكذا دنيا وأهلها .
✍️ بقل
مي: عمر أحمد العلوش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .