الخميس، 11 ديسمبر 2025

أوطان تمشي في خطانا بقلم الراقي عماد خالد رحمة

 أوطانٌ تمشي في خُطانا

عماد خالد رحمة _ برلين. 


نحنُ أوطانٌ صغيرةٌ تمشي في أجسادٍ مُتعبة،

نحملُ خرائطَنا في الجيوب،

ونخبّئ ليلَ المدن الأولى

في ثنياتِ القلبِ كأنّه آخرُ ما تبقّى من الذاكرة.


الدنيا منافي بعيدة،

وكلُّ رصيفٍ فيها يختبرُ هشاشتَنا

كأنّه يسأل:

هل ما زال الوطنُ فيكم؟

أم تركتموهُ عند بابِ طفولتكم

حين صدّقتم أنَّ الغيمَ طريقٌ،

وأنَّ السفرَ خلاص؟


هويّتنا ليست ورقةً في محفظة،

بل رعشةُ يدٍ تُمسكُ بحجرٍ قديم

نقشتْهُ جدّاتٌ نسين أسماءهنّ

وما نسين الوطن.

هي صورةٌ لخبزِ أمّ،

ورائحةُ شجرةِ توتٍ

أقامت في عروقنا قبل أن نعرف

أنَّ الشجرَ يشيخ.


نَكْبرُ…

فنكتشف أنّ العالمَ اتّسعَ بما يكفي

ليضيّقَ أرواحَنا،

وأنَّ المدنَ التي هتفنا لأسمائها

لم تهتفْ لنا يومًا.

كان علينا أن نفهم:

لا يربح المنفى أحدًا،

ولا يربح الوطنُ أحدًا،

القلوب وحدها هي التي تُهزم دومًا.


فيا ابنةَ الشمس،

لا تدخلي العشرين إلّا وبيتكِ معكِ،

فالأرضُ أشدّ قسوةً ممّا نظنّ،

ولا تنجبُ العشّاقَ المولعين

إلّا إذا كانوا من جسدِها الأوّل.


وأيّ مرآةٍ انكسرتْ

صار سطحُها حدًّا ضدّنا.

نرتّقُ الوجعَ بضماداتٍ من يأس،

فيسيلُ الضوءُ بين أصابعنا

ونحسبه دماً.


ونحنُ الذين قيل لنا:

“للعشقِ زنازينُ”…

تعلمنا أن نحبَّ رغم القضبان،

وأن نسامحَ ما لا يُسامَح،

لأنَّ القلبَ لا يُشبِهُ إلّا قلبًا

يحتفظُ بجرحهِ كوسام.


أجملُ القصائد

ما لم تُكتب بعد،

ما تنتظر امرأةً

تظمأُ فتمتلئُ بالحبر،

أو عاشقًا يشعلُ الليلَ

حين يضيقُ عليه صمتُه.


وأجملُ الرسائل

تلك التي لم تصل،

التي بقيت عالقةً في بريدِ الغيم

تحرسُ بساتينَ حلمٍ

لم نبلغْه بعد.


يا أمّةً ربّتنا

لتبكينا…

كم مرّةٍ طعنتِ قلبَكِ كي نحيا؟

وكم مرّةٍ أنجبتِ من اليُتمِ

شعوبًا

تحبو على جمرِ السؤال؟


نرتّل "والتين والزيتون"

وكلُّ يدٍ عمياء تمحو الخضرةَ

وتغرسُ الملحَ في عيوننا،

فنصيرُ نحنُ الحطّابين

الذين قطعوا أغصانَهم بأيديهم.


وحيثما تلفّتُّ

وجدتُ ثوّارًا من ورق،

وشعراءَ من ضوءٍ مزيّف،

وقرّاءً يتعبّدون في معابدِ الظلّ

لآلهةٍ من فراغ.


يا وَطنًا

يُعلّمنا أن نهدمه ونحن نبنيه،

وأن نبكيه ونحن نغنّي له…

عد إلينا قليلًا،

فقد تاهت خُطانا عن نفسها،

ولم نعُد نعرف:

أكنّا نحن المنافي؟

أم كان العالمُ كلّه

نسخةً باهتة

من وطنٍ فقدناه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .