الخميس، 4 ديسمبر 2025

خندق الوقت بقلم الراقي طاهر عرابي

 "خندق الوهم"


قصة قصيرة

بقلم: الشاعر والمهندس طاهر عرابي

(دريسدن — كُتبت عام 2020 ونُقّحت في 05.12.2025)


وافق التيس، مزهوًّا بقرنيه، أن يواجه الذئبَ دفاعًا عن الماعز والخراف معًا. وحدث ذلك بعد أن هَرِم كلب الحراسة وغادر القطيع إلى وجهة غير معلومة، وقال مودّعًا:

— حتى الموت يحتاج إلى سكينة.


وقف التيس الذي نصب نفسه دون أن يسأله أحدٌ أمام القطيع. عنّفهم، واتّهمهم بالجبن، وأعلن أنّه وحده القادر على حمايتهم، وما عليهم إلا أن يجترّوا بهدوء ويناموا بسلام؛ فلا ذئب يجرؤ، ولا صقر يحوم. وقال بعد أن أمرهم بالانتباه إليه:


— زمن الكلب انتهى، وزمني أنا هو الالتزام الكامل بطاعتي.

ما أجمل أن يموت الكلب دون وريث.

تصوّروا لو كان له وريث… لما تغيّر شيء في حياتنا البائسة.

ولكن أنا نوع فريد من التجديد، وذكائي ورشاقتي معروفة لدى الجميع.


صحيح أنّي لا أملك مخالب ولا أسنانًا معقوفة لتمزيق الذئب، ولكنني قمتُ باكرًا هذا الصباح، وجهّزتُ صاروخًا موجَّهًا، ومسدّسًا أوتوماتيكيًّا، ومنظارًا ليليًّا يريني حتى اليعسوب الغافي على غصن شجرة.


اطمئنّوا… وادعوا لي وأنتم تجترّون بمتعة.

تصوّروني فلفلًا، أو قهوة، أو حبّ الهال مع القرنفل والريحان.

كلّ شيء ممكن للمتعة في ذكري.


ولكن… لا أعلم كيف ستنتهي المعركة مع الذئب. ومن الخطأ أن نضع الانتصار في العين ونُغفل… أردتُ القول: في حال هُزمتُ فسيتولّى ابني الكبير إدارتكم، وعليكم الانصياع لأوامره.

صحيح أنّه مُترف، وجشع، وجبان؛ لكن في حال تَسلّمه القيادة سيكون غير ما هو عليه الآن.


والآن… تصرّفوا وكأنّي أراكم في الصباح، وكأني أجلس على جسد الذئب.


في المساء، تمترس في خندق كان يومًا جدولًا جاريًا؛ ترتفع على ضفافه الورود والأعشاب التي تسرق الندى من السماء وتمنح الماء للجدول. لكن صراعًا حول البقاء جعل الجفاف الحكم في إنهاء الصراع بين الخراف والغزلان.


في منتصف الليل ظهر الذئب فجأة ونادى:

— مساء الخير. ها أنا جئتُ لأُخرجك من الخندق.


ارتبك التيس، وتعطّل الصاروخ، والمسدّس عَلِق، وارتعشت ركبتاه.

وانهال التراب، فتحوّل المنظار إلى حجرٍ لا نفع منه، وهو نفسه ألقاه أرضًا، فالذئب يشمّ وجهه.


قال التيس، وهو يتداعى من الخوف:

— مرحبًا… سيدي الذئب. أنا فقط أُحارب الخراف التي تهرب حين تأتي أنت. أمنعها بأسلحتي هذه… أريدهم ألا يفرّوا منك، فتتعب وأنت تجري خلفهم.

وقبل قليل جلسوا واتفقوا فيما بينهم: إن جاء الذئب نهرب من هذا الاتجاه.

لهذا اختبأتُ في الجدول الجاف… كي لا يشعروا بوجودي هنا. إنها استراتيجية لم تُخبْ إطلاقًا… ولكن، كما ترى، حتى في أرقى الاستراتيجيات يوجد استثناء.


ابتسم الذئب وقال:

— لطيف، أحيانًا يتلعثم العندليب إن وجد مفاجأة.


ثم تابع: الخراف هي من نبّهني، وقالوا:

احذر أن تأتي الليلة؛ التيس اشترى صاروخًا، وجهّز نفسه، وجلس في الجدول ينظر بمنظاره… فلا تظنّه ضفدعًا ليليًّا يحدّق بالنجوم، ليمتلئ نقيقه بزخرف الضوء عند الفجر.


لقد نسيتَ نفسك… ولؤمُك وغرورك هو الذي باعك.

وحين يكرهك القطيع، تصبح القوة هَبَابًا على صاحبها.

كيف تنسى طيبة الكلب وتنسى فضله؟ لقد منعني بشجاعة لا توصف، حتى إن هجومي لم يكن يوقظ من نام من الخراف.

انهض… فقد جئتُ لأخذك أنت. سأذهب بك إلى صديقي الحمار، وهو سيعلّمك مبدأ واحدًا فقط: التواضع.


صفّق القطيع وقالوا:

“خذ معك الوريث… يكفينا تجارب.

فهو ظلّك، وسقوط الظل لا يرفع الجسد.”


لكلٍّ هلاكه في قناعته وعجزه،

لكن… إن ذهب التيس، نستطيع أن نخطّط للمستقبل، وكيف ننجح في مصاحبة الذئب.

ما أصعب أن ترى الخوف في حظيرتك.


— طاهر عرابي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .