مِحْرَابُ الوَعْيِ وَمَتَاهَةُ العُقُولِ
حين يُصبح الاستخفاف بالعقول طريقًا إلى استعباد الإنسان
ليس أخطر ما يصيب الأمم أن يحكمها من يملك القوة، بل أن تفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة وما يُراد لها أن تصدّقه.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
إنّ الاستخفاف بالعقول لا يبدأ حين يُطلب من الناس أن يطيعوا، بل حين يُحرَمون من السؤال، وتُحاصَر عقولهم بالمعلومات الموجَّهة، وتُقدَّم لهم الأوهام في ثياب الحقائق، حتى يصبح التكرار عندهم دليلًا، والصوت المرتفع برهانًا، والتصفيق موقفًا.
فالطغيان لا يحتاج دائمًا إلى أن يُكمم الأفواه؛ يكفيه أحيانًا أن يُربك العقول، ويُشوّش الحقائق، ويجعل الإنسان يخاف من التفكير أكثر مما يخاف من الوقوع في الخطأ.
وما أشدّ مأساة الإنسان حين يتنازل عن عقله طوعًا، ويستعير بصيرته من الآخرين، ثم يدافع عن الوهم كأنه حقيقة، وعن التبعية كأنها وفاء!
إنّ الوعي ليس كثرة الكلام، ولا معارضة كل شيء، ولا الارتياب في كل أحد؛ الوعي أن تسمع دون أن تُسلّم، وأن تبحث قبل أن تحكم، وأن تزن الأقوال بميزان الحق، لا بميزان المصالح والأهواء.
فلا تجعلوا من عقولكم مرايا تعكس ما يُملى عليها، ولا من ضمائركم صدى لأصوات الآخرين؛ فالإنسان الذي لا يفكر لنفسه، قد يجد نفسه يومًا يعيش أفكارًا لم يخترها، ويدافع عن حقائق لم يتحقق منها.
إنّ أخطر أشكال الاستعباد أن يظنّ المستعبَد أنّه حرّ، وأقسى الهزائم أن يُهزم العقل ثم يصفّق لهزيمته.
فالوعي عبادة للعقل، وأمانة في الضمير، ومسؤولية أمام الله والتاريخ.
بقلم: د. فيصل لعبيدي بن خديم
الجمعة 30 أكتوبر 2026م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .