الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

صديقي وأخي بقلم الراقي د.طلعت كنعان

 صديقي وأخي:

نحن نُتعب كلَّ ما نحب، وهذه مشكلتنا.


العاشقون يتركون قلوبهم على محراب الحب كلَّ لحظة، ويمضون حفاةً فوق شظايا العاطفة، غير آبهين بحدِّ السكاكين ولا بغدرها.

أصبحنا نعيش في زمنٍ نكرهه ويكرهنا، زمنٍ بيننا وبينه سنواتٌ من الغضب، وأعوامٌ من مطاردة المستحيل.

فعلًا، لا علاقة لنا بمروره، ولا بشروق الشمس، ولا بالألوان التي تعلّقها على كتف الصباح.

حتى قوس قزح، ذلك الذي كان يربّت على كتف السماء، نراه اليوم جسرًا مكسورًا تعبر عليه أحلامنا إلى الجهة الأخرى ولا تعود.

نشعر بثقل السنوات، بسوطها الخفي، وبأصابعها وهي تقلّب صفحات أعمارنا دون أن تستأذننا. ولا نريد أن نعرف أيَّ سنةٍ نعيش؛ فالأرقام لا تهمّنا، وما يهمّنا هو كم نافذةً أغلقتها الأيام في وجوهنا.

حتى الدقائق نكرهها حين تهرب مسرعةً من بين أصابعنا، وتختبئ خلف سواد الليل ودخان السجائر.

قد نكون جئنا إلى هذا العالم قبل الموعد، أو وصلنا بعد أن غادر القطار، أو ربما كنا ننتظر أن نولد من قلب وردة، فأنبتتنا الحياة أشواكًا، ثم قالت لنا:

تعلّموا كيف تحبّون وأنتم تتألمون.

لكنني لا أتفق مع عجلات القدر. فالقدر أصمُّ لا يسمع أنيننا، وأعمى لا يرى ارتباك الطريق، وأنانيٌّ يمضي بعربته فوق أعمارنا ولا يلتفت.

وليس له أمٌّ تُرضعه حليب المحبة والإخلاص.


صدّقني يا أحمد،

كلُّ ما نكتبه هو أن نضع عذريّتنا أمام ألف مرآة، ثم ننتظر منها أن تخبرنا: مَن نحن؟

نكتب لأننا نرى الحياة من نافذةٍ مختلفة، ونرى في الأشياء ما يمرّ عنه الآخرون دون أن يلتفتوا.

هذه لعنة الشعراء وميزتهم. يرون في وجه امرأةٍ عابرةٍ قصيدة، وفي نافذةٍ مضاءةٍ حكاية، وفي المطر ذاكرة، وفي البحر قلبًا واسعًا للغرق والنجاة.

يرون حدائق الحب، وفتياتٍ جميلات، وأنهارًا وبحارًا، لكنهم يسمعون تحت كل هذا الجمال خشخشة الحقيقة وهي تجرّ سلاسلها في ممرات الحياة.

نحن لا نبحث عن الحزن، لكن الحزن يعرف عناويننا.

ولا نطلب الوحدة، لكنها تجلس إلى جوارنا كصديقٍ قديم، تشرب قهوتها بصمت، وتنتظر أن ننتهي من الكلام.

أنت تفهم ما أكتب، وقلّةٌ فقط يستطيعون أن يفهموا ما وراء الكلمات، وأن يسمعوا صوت الصمت المختبئ بينها.

أنا أختلف عنك ومعك في شيءٍ واحد: أقتل الوقت بالعمل، وأملأ ساعات النهار بالضجيج، حتى لا أرى شياطيني تجلس إلى جواري وتشرب القهوة.

أراها، لكنها لا تراني.

أركض خلف العمل كما يركض المسافر خلف قطارٍ لا يريد أن يفوته، لأنني أخاف من المحطة الأخيرة:

أن أجلس وحدي مع نفسي.

أخاف من نفسي حين يهدأ كل شيء، حين تنطفئ الأصوات، وحين لا يبقى في الغرفة سوى قلبي وهو يتحدث معي.

قد نكون قساةً على أرواحنا الشفّافة؛ نضعها أمام لوحات الألم، ثم نطالبها بأن تبتسم.

نخاف من حساسيتها، ومن تناقضها، ومن ذلك البركان الصغير الذي يسكن داخلها ويخشى أن يسكب حممه على أيامنا.

ومع ذلك، تظل الروح تقاوم، تجرّ جمرها بصمت، وتحاول أن تمدّ ظلّها فوق جسد الأيام، منذ طفولتنا الأولى، مرورًا بسنواتنا الطويلة، وحتى هذه اللحظة.

أصبحنا كالوطن، صعاليك الليل، نسرق الآهات من جيوب العابرين، ونختلي بالظلام كما يختلي البحر بأسراره.

نرفع أعيننا إلى القمر باشمئزاز، ثم، حين يكشف لنا وجهه الجميل، نبتلع دخان ألف سيجارة كي لا نعترف بأننا ما زلنا نحب الجمال.

ثم ننظر بعيدًا، بعيدًا جدًا، باحثين عن فتاةٍ ترقص التانغو فوق أنقاض السنوات البغيضة، تدور حول نفسها، وكأنها تقول للزمن:


لن تستطيع أن تمنعنا

 من الرقص.


طلعت كنعان

اوراق قديمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

تركو الموائد بقلم الراقي كاظم احمد احمد

 تركو الموائد تَصفحتُ أوراقَ الماضي بتريثٍ أتبيّنُ أَمعنتُ في الصور والحروف أتجولُ حكاياتٌ سُردتْ قدّتِ الآذان والمُقل طُهيتْ بتأنٍّ بقدورٍ ...