بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
✦ مَحْكَمَةُ الحَقِّ وَسِرُّ اليَقِينِ: حِينَ يُحَاكَمُ الوَهْمُ أَمَامَ عَرْشِ الحَقِيقَةِ ✦
حين تُستدعى الحقيقة إلى عرش الوجود
حينَ سكتتْ ضوضاءُ الوجود، وانحسرتْ ظلالُ الزيف، انعقدتْ محكمةٌ لا جدرانَ لها سوى الضمير، ولا قاضِيَ فيها سوى الحقيقة، ولا ميزانَ يعلو على ميزان العدل الإلهي.
استُدعيَ الوهمُ، فدخلَ متبخترًا، تحفُّ به الجموع، وتُزيّنُه الألسنة، وظنَّ أنّ كثرةَ الأتباع برهانٌ على الصواب، وأنّ التصفيقَ شهادةُ حقٍّ لا تُرَدّ.
فسأله اليقينُ: مَن أنت؟
قال: أنا ما صدّقه الناس.
فأجابه: بل أنتَ ما عجزوا عن كشفه، وما ألفته النفوسُ حتى حسبتْه حقيقة.
ثم حضر الحقُّ، مجرّدًا من زينة الادّعاء، لا يحملُ إلا حجّتَه، ولا يستندُ إلا إلى ثباته؛ فقيل له: أين جمهورُك؟
قال: لا أستمدُّ من كثرة الناس قوّتي، ولا من تصفيقهم شرعيّتي؛ فالحقُّ لا يُصبح حقًّا إذا أُيّد، ولا يغدو باطلًا إذا تُرك وحيدًا.
وعندها ارتفع نداءُ التوحيد: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فتكسّرتْ أصنامُ الهوى، وانكشفتْ أقنعةُ النفوس، وتعرّتْ عروشُ الغرور من هيبتها المصطنعة؛ وعرف الإنسانُ أنّ أعظمَ المعارك ليست تلك التي يخوضها مع الآخرين، بل التي يخوضها مع نفسٍ تُساومُ على الحقيقة كلّما لاحَ لها بريقُ مصلحة.
فكم من صوتٍ علا في الأرض، وهو ساقطٌ في ميزان الضمير، وكم من إنسانٍ مضى وحيدًا، لكنّه كان في مقام المبدأ أرسخَ من الجبال؛ لأنّه اختارَ أن يخسرَ تصفيقَ الخلق، على أن يخسرَ صدقَه أمام الخالق.
ثم صدر الحكم من محكمة الضمير:
يُدانُ الزيفُ وإن صفّقتْ له الجموع، ويُفضَحُ الادّعاءُ وإن ارتدى ثوبَ الحكمة، ويُكرَّمُ الثباتُ حين يكونُ ثمنُه العزلة؛ فليس المجدُ أن تنتصرَ في أعين الناس، بل ألّا تخسرَ نفسَك حين تُفتَحُ لك أبوابُ التنازل.
فحين ينفضُّ العالمُ عنكَ، لا تسألْ كم صوتًا بقيَ معكَ، بل اسألْ: هل بقيَ ضميرُك شاهدًا لك، وهل بقيَ فؤادُك وفيًّا لله؟
فثمة أحكامٌ لا تنطقُ بها المحاكم، ولكنّها تُكتَبُ في سرائر النفوس، وثمّة حقائقُ قد يحجبها الليلُ عن الأبصار، غير أنّها لا تغيبُ عن علم الله؛ إذ ليس كلُّ تأخّرٍ خذلانًا، ولا كلُّ وحدةٍ هزيمة، فقد يكونُ الصمتُ آخرَ حصون الحقيقة، ويكونُ الثباتُ عبادةً لا يعلمُ سرَّها إلا الله.
✍️ د. فيصل لعبيدي بن خديم
أديب وناقد أدبي وشاعر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .