عابرة القارات
لم يكن لسعد من اسمه نصيب في بدايات عُمُره؛ كان البيتُ حلبةَ صراعٍ مفتوحة، صُراخٌ يُمزّق جدران الغرف الهشّة، ولقاءات عائليّة تتحوّل دوماً إلى مجازر من العتاب والضغينة. أمّا مدارجُ التعليم فكانت درباً متعثّراً، أوراقاً مبلّلة بالخيبة، وصفوفاً خنقت أحلامه الصغيرة. هناك، في العتمة التي تسبق الانفجار، قرّر أن يفرد جناحيه من رماد الحطام؛ رمى خلف ظهره كلّ مرايا الماضي، واختار الإسفلت وطناً بديلاً.
تحوّل إلى سائق شاحنة عابرة للأقطار، وحش حديديّ يزمجر على الخطوط الطويلة الممتدّة بين عواصم العرب وأطراف قفارها. لم يكن مجرّد ناقلِ بضائع، بل كان درويشاً يعبر الصحارى كحاجٍّ متجرّد، يُحدّق في تبدّل الوجوه والألسن، ويقتات على كرم البسطاء الذين يُضمّدون جراح الهاربين من جحيم الحروب وقطّاع الطرق. عَلِمَ في تلك الأسفار أنّ النبل شجرة لا تنبت إلا في شقوق الألم.
وفي ليلةٍ غائرة في عمق الصحراء الليبية، حيث الكثبان تتمايل كأمواجٍ من ذهب ناعم تحت قمرٍ بارد، قادته الصدفة إلى حلقة ذِكرٍ صوفية. كانت الدفوف ترنّ، والناي يئنّ بأنفاس وجدٍ صاعدة إلى السماء، وفواح البخور يشقّ سكون الفضاء. هناك، جالسة على حصيرٍ خشن، التقت عيناه بامرأة إنجليزية من سلالة الترف والقصور تدعى "إيفلين". كانت قد فرّت من لندن بعد انكسار عاطفي أدمى كبرياءها، باحثةً في صمت الخلاء عن رتقٍ لروحها المتشظّية.
لم تكن نظرة عابرة، بل كانت ارتطاماً قدريّاً بين عالمين متناقضين؛ هو الصاعد من القاع الموحش، وهي الهاربة من القمم الجليدية. تلاقت الأرواح قبل أن تتماسّ الأيدي، وأيقنا في تلك اللحظة أنّ الحبّ ليس امتلاكاً، بل هو "الصنعة العظمى"... خيمياء روحيّة تحوّل النحاس الرخيص في النفس الإنسانية إلى ذهبٍ خالص، ذهبٍ لا يُكنز في الخزائن، بل يُسكب في خوابي الفنّ والجمال لإطعام خيال أطفالٍ عراة المشاعر والبطون.
توحّد المساران في جسدٍ واحد ورؤيا واحدة. وضعت إيفلين ثروتها بين يديه دون حِساب، وتكفّلت برغد عيشه، ولم يرَ هو في ذلك ترفاً، بل وقوداً لرسالةٍ مقدّسة: إعادة نبض الحياة إلى من سحقتهم الفاقة.
غدت الشاحنة هيكلاً مقدّساً؛ في واجهتها أوراق شحنٍ رسمية وبضائع تملأ بطن المقطورة تلبيةً لقوانين الحدود، وفي تجاويفها السرّية شريان حياة محرّم. لم يكونوا يهرّبون سلاحاً ولا سموماً، بل علب الدواء الشحيحة التي تحرمها البيروقراطية أو تلتهمها أسعار السوق السوداء: أنسولين للأكباد العليلة، ومضادات حيوية تحرس أنفاس الرضّع، ومسكنات لأجسادٍ أنهكها الورم. وكان ثمن هذا الدواء قانوناً جديداً من ابتكار الرحمة: مقايضة صافية. لا دراهم تُدفع؛ بل يُعطى الدواء بالمجّان لمن لا يملك، ومَن استردّ عافيته أو كرامته يُقدّم ما جادت به يداه... سجاداً نُسج بأنامل العائدين من رعب النزوح، أو منحوتات خشبية، أو جراراً خزفية، أو لوحات رسمها صغارٌ خرجوا لتوّهم من مخالب الخوف. وكانت تلك المصنوعات تُحمل في رحلة الإياب لتُسلّم إلى أسرٍ محتاجة في مدنٍ أخرى، لتغدو الشاحنة جسراً دائرياً من التضامن الذي لا ينقطع.
ومع اكتمال النضج، أثمرت خلوتهما المشتركة نبتةً برّية غاية في الرقّة، طفلةً أسمياها "فرح". لم تكن ولادتها استقراراً في بيتٍ مسقوف، بل كانت الشاحنة مهدها الرّحيب. أسّسا لها مدرسةً متحرّكة لا تشبه فصول الحفظ والتلقين؛ جغرافيتها الطرق الوعرة، ورياضياتها حساب المسافات نحو المحتاجين، ولغتها محبّة الإنسان دون تفريقٍ بين لون ولون، أو عرق ودين، أو قارة وأخرى. كانت السماء سقف درسها، ووجوه الكادحين أولى صفحات كتابها.
وعند كلّ محطّة ومَفترق، كانت الشاحنة تُلقي عصا الترحال. ينزل الثلاثة: الأبُ الأسمر الصلب، والأمُّ الشقراء الحانية، والصغيرةُ الضاحكة كزهرة رمان. يدخلون أروقة المدارس الريفية، ومقارّ الجمعيات الأهلية، وصحون المساجد، وحتى مقاهي الأرصفة الممتلئة بعوادم الدخان والهموم. يتحلّق حولهم الناس، فيروي سعد وإيفلين تفاصيل مغامرتهما، لا استعراضاً لبطولة، بل زرعاً لبذرة الأمل، ودعوةً للناس أن يُسقطوا أسوار الأنانية وأن يفتحوا النوافذ لرياح التكافل.
كلّما تنفّس الصبحُ خيوطه الأولى على زجاج الشاحنة الأمامي، كانت نظراتهما تلتقي من جديد؛ لا تبهت مع الأيّام ولا تثقلها أعباء المسير، بل تزهر كشجرة لوزٍ برّية على حافّة طريقٍ لا ينتهي، حيث الحُبّ ليس ملاذاً للاختباء، بل هو البوصلة التي تقود الخُطى نحو خلاص الآخرين.
بقلمي عبدالفتاح الط
ياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .