الأحد، 15 مارس 2026

سر ليلة القدر بقلم الراقي عاشور مرواني

 سِرُّ لَيْلَةِ الْقَدْرِ


يَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، يَا سِرَّ اللَّهِ الْمَكْنُونَ فِي قَلْبِ الزَّمَانِ،

يَا لَحْظَةً انْفَرَجَ فِيهَا سِتْرُ الْغَيْبِ قَلِيلًا،

فَأَطَلَّتْ مِنْهَا رَحْمَةٌ لَا يُحِيطُ بِهَا عَقْلٌ وَلَا يَحُدُّهَا بَيَانٌ.


يَا لَيْلَةً ضَاقَتْ بِهَا مَقَايِيسُ الْبَشَرِ

فَاتَّسَعَتْ لَهَا مَوَازِينُ السَّمَاءِ،

حَتَّى صَارَ عُمْرُهَا الْقَصِيرُ أَوْسَعَ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ،

وَأَثْقَلَ فِي مِيزَانِ النُّورِ مِنْ أَعْمَارٍ طَوِيلَةٍ بِلَا حُضُورٍ.


فِيكِ يَسْكُنُ اللَّيْلُ سُكُونًا لَيْسَ كَسُكُونِ اللَّيَالِي،

بَلْ سُكُونُ هَيْبَةٍ تَمْشِي فِيهِ الْأَرْوَاحُ عَلَى أَطْرَافِ الْخُشُوعِ،

وَكَأَنَّ الْكَوْنَ كُلَّهُ قَدْ خَفَّفَ صَوْتَهُ

لِيُصْغِيَ إِلَى نِدَاءٍ خَفِيٍّ يَصْعَدُ مِنْ قُلُوبِ الْعَابِدِينَ.


النُّجُومُ فِي عَلْيَائِهَا كَأَنَّهَا مَصَابِيحُ حِرَاسَةٍ لِلسَّمَاءِ،

وَالْأَرْضُ فِي صَمْتِهَا تَبْدُو كَمِحْرَابٍ وَاسِعٍ

يَقِفُ فِيهِ الْبَشَرُ صُفُوفًا غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ

بَيْنَ رَجَاءٍ يَرْتَجِفُ فِي الصُّدُورِ

وَدُعَاءٍ يَصْعَدُ خَفِيفًا كَالدُّخَانِ الطَّاهِرِ.


وَفِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْخَفِيَّةِ مِنْ عُمْرِ اللَّيْلِ،

تَفْتَحُ السَّمَاءُ أَبْوَابَهَا

فَتَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ أَفْوَاجًا،

تَحْمِلُ مَعَهَا سَلَامًا أَقْدَمَ مِنَ الزَّمَنِ

وَنُورًا يُلَامِسُ الْقُلُوبَ قَبْلَ الْأَبْصَارِ.


يَنْزِلُ الرُّوحُ الْأَمِينُ فِي مَوْكِبٍ مِنَ الطُّهْرِ وَالسَّكِينَةِ،

فَتَغْدُو الْمَسَافَاتُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قَصِيرَةً كَدُعَاءٍ،

وَيَصِيرُ الْكَوْنُ كُلُّهُ كَأَنَّهُ صَفْحَةُ نُورٍ

تُكْتَبُ عَلَيْهَا أَقْدَارُ عَامٍ جَدِيدٍ.


فِيكِ تُخَطُّ الْمَقَادِيرُ بِأَمْرِ اللَّهِ،

فَتَسِيرُ الْأَعْمَارُ فِي طُرُقِهَا،

وَتَتَوَزَّعُ الْأَرْزَاقُ كَمَا تَتَوَزَّعُ قَطَرَاتُ الْمَطَرِ عَلَى الْحُقُولِ،

وَتُكْتَبُ الْآجَالُ كَمَا تُكْتَبُ نِهَايَةُ مَوْجَةٍ فِي بَحْرٍ هَادِئٍ.


وَمَعَ ذَلِكَ،

تَتْرُكُ رَحْمَةُ اللَّهِ بَابًا مَفْتُوحًا

لِدَمْعَةٍ صَادِقَةٍ تُغَيِّرُ مِيزَانَ الْحِكَايَةِ،

وَلِدُعَاءٍ خَاشِعٍ يَعْبُرُ السَّمَاءَ كَطَائِرٍ أَبْيَضَ

حَتَّى يَسْتَقِرَّ عِنْدَ عَرْشِ الرَّحْمَةِ.


هُنَا يَلْتَقِي الْجَلَالُ بِالْجَمَالِ،

وَتَجْتَمِعُ الْهَيْبَةُ بِالْحَنَانِ،

فِي حَضْرَةٍ لَا تُوصَفُ إِلَّا بِالصَّمْتِ،

حَيْثُ يَقِفُ الْقَلْبُ عَارِيًا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ

إِلَّا زِينَةَ الِانْكِسَارِ.


يَا رَبِّ،

فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَتَعَلَّمُ الرُّوحُ سِرَّهَا الْقَدِيمَ:

أَنَّهَا خُلِقَتْ لِتَعُودَ إِلَيْكَ،

وَأَنَّ كُلَّ الطُّرُقِ الطَّوِيلَةِ فِي الْأَرْضِ

لَيْسَتْ إِلَّا الْتِفَافًا حَوْلَ بَابِكَ.


يَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ،

كَمْ مِنْ قَلْبٍ أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ

فَخَرَجَ مِنْكِ خَفِيفًا كَنُقْطَةِ مَطَرٍ،

وَكَمْ مِنْ رُوحٍ ضَاقَتْ بِهَا الدُّنْيَا

فَانْفَتَحَتْ لَهَا فِيكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ.


فِيكِ يَتَبَدَّلُ الْخَوْفُ سَكِينَةً،

وَالْحُزْنُ رَجَاءً،

وَالتِّيهُ طَرِيقًا وَاضِحًا

يَقُودُ إِلَى اللَّهِ.


يَا رَبَّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ،

إِنْ كُنَّا لَا نَسْتَحِقُّ رَحْمَتَكَ

فَإِنَّ رَحْمَتَكَ أَوْسَعُ مِنِ اسْتِحْقَاقِنَا،

وَإِنْ كُنَّا قَدْ أَثْقَلَتْنَا أَخْطَاؤُنَا

فَإِنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ مِنْ ذُنُوبِنَا.


فَاكْتُبْنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ الْمَقْبُولِينَ،

وَاجْعَلْ قُلُوبَنَا مِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُهَا نُورُكَ،

وَاغْسِلْ أَرْوَاحَنَا مِنَ التَّعَبِ الْقَدِيمِ

كَمَا يَغْسِلُ الْفَجْرُ وَجْهَ اللَّيْلِ.


وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ أَدْرَكُوا سِرَّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ:

أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْكَ

لَيْسَ فِي طُولِ الْعِبَادَةِ فَقَطْ،

بَلْ فِي صِدْقِ الْقَلْبِ حِينَ يُنَادِيكَ.


سُبْحَانَكَ يَا مَنْ جَعَلْتَ لَحْظَةً مِنْ لَيْلِكَ

أَعْظَمَ مِنْ أَعْمَارٍ طَوِيلَةٍ فِي دُنْيَا الْبَشَرِ،

وَسُبْحَانَكَ يَا مَنْ جَعَلْتَ الْقُلُوبَ الْمُنْكَسِرَةَ

أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنَ النُّجُومِ فِي عَلْيَائِهَا.


اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ،

وَاكْتُبْ لَنَا فِيهَا نُورًا فِي الْقَلْبِ،

وَسَكِينَةً فِي الرُّوحِ،

وَعَفْوًا يَسْبِقُ الْحِسَابَ،

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.


الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .