الأربعاء، 11 مارس 2026

تراتيل الأبد بقلم الراقي عاشور مرواني

 تَراتِيلُ الأَبَد: مِعراجُ الرُّوحِ بَيْنَ فِتْنَةِ المادَّةِ وجَلالِ المُنْتَهى


هِيَ الدُّنيا.. هَيُولَى من ضَبابٍ رَقْرَقٍ لَزِجِ

بَنَيْنَا فوقَ مَوْجِ الزَّيْفِ أصنامًا منَ الثَّلْجِ


نُطارِدُ خوارزميَّةَ اللَّذّاتِ في شَبَقٍ

ونَغْرَقُ في بِكسِلاتِ المَظاهِرِ دونَما مَخْرَجِ


نَسِينا أنَّنا نَفَسٌ منَ الرَّحمنِ صُوِّرَ في

رُفاتِ الطِّينِ كالدُّرِّ المُنَزَّهِ في دَمِ الخَزَفِ


نُقَدِّسُ "الأنا" الطَّاغوتَ نحسبُها حقيقتَنا

وما هيَ غيرُ ظلٍّ في مَتاهاتِ المَدَى الهَوْجِ


نَبيعُ الأبدَ المخبوءَ في أعماقِ جوهرِنا

بلحظةِ سُكْرِ غفلتِنا.. بكأسِ الوهمِ والعَرَجِ


هوَ اللهُ.. سرُّ اللُّوغوسِ في صمتِ الوجودِ إذا

تجلّى.. دبَّ في الأكوانِ سرُّ الخلقِ والنهجِ


نظرتُ إلى مدارِ النجمِ قلتُ: لعلَّهُ هوَ

فقالَ النجمُ: إنّي رسمُ معنىً في دُجى الملكوتِ


تعالى عن حدودِ العقلِ لا كيفٌ يقيّدُهُ

ولا أينٌ.. ولا زمنٌ يُحيطُ بسرِّ جبروتِ


تجلّى في الكُواركِ الدقيقِ كأنَّهُ فَلَكٌ

وفي المجرّاتِ كم ألقى بذورَ الضوءِ والقوتِ


هو الوعيُ المطلقُ إذ تنفَّسَ نورُ شرارتِهِ

فصارَ الكونُ أنشودةً تُرتَّلُ في فضاءِ الصمتِ


عظيمٌ.. لا يُحاطُ بهِ.. ولكنّا نُحاطُ بهِ

فكلُّ الكونِ فيضٌ من جلالِ الحسنِ واللطفِ


يمرُّ العبدُ فوق الأرضِ مزهوًّا بصورتِهِ

وينسى من برى الصورَ بإبداعٍ وتوقيتِ


رأى الجمالَ في الأزهارِ والأنهارِ فافتتنَا

ولم يُبصِر جمالَ الذاتِ في سرِّ التجلّي فيهِ


يظنُّ جزاءَهُ صِفرًا وأنَّ الموتَ هاويةٌ

وما الموتُ إلا انعتاقُ الروحِ من قيدِ التابوتِ


تعلَّق بالحجابِ وظنَّهُ غايةَ المُنى

فضاعَ عن المقصودِ في لهوٍ وتشتيتِ


أيا مسكينُ كيف رضيتَ بالفاني وتركتَ من

بقاؤُهُ سرمديٌّ في جلالِ الحيِّ والقيّومِ؟


هناكَ.. حيثُ اللونُ يسمعُ طعمَ نغمتِهِ

ويصبحُ الصمتُ نورًا في فضاءِ الملكوتِ


جِنانٌ.. لا تُقاسُ حدودُها بمقاييسِ المدى

بل الأشواقُ تبنيها بأنوارٍ من الروحِ


أنهارُها تجري معانيَ حبٍّ ومعرفةٍ

وتشربُ الروحُ خمرَ الحقِّ في حضرِ الملكوتِ


قصورُها من تجلّياتِ الذكرِ قد نُسِجَتْ

تشفُّ عمّا بداخلِها كبلّورٍ وياقوتِ


لا شمسٌ تحرقُ الأرواحَ.. بل نورٌ يربّيها

ولا زمنٌ يشيخُ هناكَ.. لا خوفٌ.. ولا فوتِ


وكلُّ لحظةٍ تمضي تفيضُ بأختِها ألقًا

كأنَّ الخلقَ في تصعيدِ نورٍ دون تفويتِ


أما واللهِ لو كُشفَ الحجابُ لعارفٍ

لذابَ شوقًا لرؤيةِ وجهِ ربِّ العرشِ والملكوتِ


فكلُّ نعيمِ أهلِ الخلدِ عند لقائِهِ

هباءٌ في جلالِ النورِ والتسبيحِ والقنوتِ


فيا ربَّ الجمالِ.. ويا بديعًا صاغَ أنفسَنا

أعذنا من عمى الدنيا.. ومن تيهِ الطواغيتِ


واجعل قلوبَنا مرآةَ نورِكَ في المدى

حتى نراكَ بعينِ القلبِ قبل الموتِ والموتِ.


الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .