(الأمل)
منذ ذلك اليوم، لم يعد أيمن كما كان، فقد تركت الحرب في داخله فراغًا لا يُملأ...
جلس في حديقة البيت، متأمّلًا في جمال ما صنعته الغيوم من صور،
يخربش في كراسته ليبدع كعادته رسومًا قد تكون جميلة.
وضع قلمه وكراسته، وراح يُمعن النظر في رسمة ربانية، سبحان المصوّر.
ما جعله يلتفت ليلمح طيفها البهي خلف الأشجار، تمشي باتجاه بوابة المدرسة المقابلة.
وقف شاخصًا بصره باتجاه ذلك الباب الكبير،
مصغيًا لحفيف الأشجار، حين وجدها فجأة بجانبه، ربما أنجبتها تخيلاته.
غاص في ملامحها الطفولية، في عينيها اللامعتين،
لم يكن بينهما إلا تلك الرسمة المبهرة، سبحان الله،
الملامح نفسها.
كان ينظر إلى الصورة ثم إليها ثم إلى الصورة مرة أخرى،
ثم رفع يده ليتحسس وجودها،
كم كانت هادئة وناعمة.
"أحقًا أنتِ هنا؟"
ليذرف دموع الفرح من مقلتيه،
دون أن يدري، تسبق رعشات يديه همهمات،
فأزاح خصلات شعرها، ثم ردد أيمن بصوتٍ ندِي مبحوح:
"أين كنتِ كل هذا الوقت؟ وكيف ظهرتِ فجأة؟"
قالت:
"أنا مريم... هل تذكّرتني؟"
ظل يزيح شعرها المنسدل على ملامحها ويحدق في عينيها،
شدّها من يدها وضغط بقوة لتقترب أكثر،
اتكأ على الكرسي الخشبي من ورائه،
جلس وأجلسها بقربه.
كان شاردًا، يحاول أن يتذكرها جيدًا،
إنه يعرفها، بخليط من شوق ومزيج من اللهفة،
محاولًا فهم الشعور وإيضاح بعض الصور الغامضة والمشوشة، لكنه سعيد لا يدري لمَ.
هو يعرفها ويعرف اسمها ويحفظ ملامحها.
ضحكت وضحكت، وقفزت واتجهت نحو شجرة اللوز،
واحتضنتها:
"ها، هل تذكرتني الآن؟
اسمي واسمك... آخر ما فعلناه هنا."
"أظن أني أعرفك... قد تذكرت؟!"
جلست مريم أمام أيمن بعد أن احتضنته، ثم قالت هامسة،
بعد أن اغرورقت عيناها بالدموع وتنهدت تنهيدة عميقة،
وقد لمع لون عينيها ببريق أمل ولون ساحر، ثم قالت بصوت مرتعش:
"ظننت أنك ستتركني أنت الآخر...
لم أصدق أنك خرجت من تحت الأنقاض بعد أسبوع من البحث،
كنت سأموت آلاف المرات لو متَّ تلك الميتة البشعة.
لقد كتب الله لك حياة أخرى،
أنت من بقي لي، من معارفي، من عائلتي، من كل أحبتي،
أنت من صنعت من روحي الهشة امرأة قوية،
أما كان الأجدر أن تتخطى حالتك لأجلي؟"
انتفض أيمن ووقف أمام مريم من شروده، وقال:
"يا مريم، نحن لا نختار أقدارنا،
فالحياة تبتلينا في أعز ما لدينا، ولا تعطينا كل شيء."
أمسكته مريم بكل قوة واحتضنته:
"لكنّك ستكون بخير لأجلي،
أنت اليوم ستبذل كل جهودك لتتخطى حالتك."
تخلص منها أيمن بصعوبة وابتعد عنها،
واتجه نحو شجرة اللوز،
بينما كان يحتضنها ويبكي بشهقات حارقة،
كأنه لم يبكِ من قبل،
كان يريد أن يستمر أكثر في غسل وجع قلبه.
ثم صاح:
"مريم... حبيبة قلبي... ونبضي!"
ثم التفت بحركة مسرعة صوبها، لكنه لم يرها،
فقد اختفت مريم فجأة...
كما ظهرت فجأة.
وراحت أنفاسه تتسارع، حتى هدأ،
وراح يكمل رسمته...
وكأن الرسم كان طريقه الوحيد ليبقيها حيّة في ذاكرته.
ليتقن الرسم بالقلم،
كما أتقن الثأر لعائلته من ذاك العدوان في ساحات القتال،
ليرحل شهيدًا فداءً لمريم...
وكأن النهاية التي اختارها لم تكن إلا عودةً إليها.
فليس هناك نهاية أفضل من رحيل إلى دار البقاء.
الأديبة :مونيا منيرةبنيو
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .