الطَّارِق
سَأَلْتُ:
كَيْفَ تَلَقَّيْتَ فَجْعَ رَحِيلِهَا؟
أَوْمَأْتُ…
تَحَطَّمَتِ الْحُرُوفُ فِي مَرَايَا ذَاتِي
وَمِنْ هَوْلِهَا ثَارَ أَنِينُ انْكِسَارَاتِي
كَأَنَّ الأَرْضَ أَفْرَغَتْ أَثْقَالَهَا
حِينَ طَوَى اللَّهُ ضُحَى أَيَّامِهَا
النَّجْمُ الثَّاقِبُ
طَرَقَ أَبْوَابَ الْجِنَانِ لِتُفْتَحَ لَهَا أَبْوَابُهَا
الدَّارُ بَعْدَهَا…
صَدَفَةٌ فَارِغَةٌ يَلْفِظُهَا شَاطِئُ الْعَزَاءِ
تَتَدَلَّى مِنْ زَوَايَاهَا الذِّكْرَيَاتُ
وَالصَّمْتُ يَئِنُّ فِي مَفَاصِلِهَا
تَهُزُّهَا الرِّيحُ كَمَا لَوْ تَبْحَثُ فِي الطُّرُقَاتِ
عَنْ خُطًى تَاهَتْ عَنْهَا الْمَسَافَاتُ
يَهْمِسُ الْغُبَارُ فَوْقَ الرُّفُوفِ:
مَرَّتْ بِرِفْقٍ مِنْ هُنَا،
تَرَكَتْ ظِلًّا يَحْنُو عَلَى الْأَرْكَانِ
وَمَضَتْ
كَأَنَّ الْعِطْرَ عَارِفٌ
كَيْفَ يَرْحَلُ دُونَ اسْتِئْذَانٍ
فَيَا طَارِقَ الْبَابِ
لَا تَرْجُ مَوَدَّةً مِنْ أَهْلٍ وَلَا جَارٍ
حِينَ يَغِيبُ مَلَاكُ الدَّارِ
يَفْتَرِشُ اللَّيْلُ الْجِدَارَ
كَحُلْمٍ لَمْ يُكْمِلِ الْمَدَارَ،
تَشِيخُ الضَّحِكَاتُ خَلْفَ حُجُبِ الْأَحْزَانِ
وَالْقُلُوبُ…
نَوَافِذُ بَيْتٍ مَهْجُورٍ
أَسْدَلَ النِّسْيَانُ سَتَائِرَهَا
لَا رِيحَ فِيهَا تُوقِظُ الضَّوْءَ
وَلَا شَمْسَ تَرْسُمُ لِلدَّرْبِ أَفْرَاحَهَا
إِلَّا حَنِينًا يَتَعَلَّمُ فِي الْعَتْمَةِ
كَيْفَ يُصَافِحُ الْغِيَابَ
يَا نَجْمَةً
تَوَضَّأَ الْفَجْرُ بِصَوْتِ قِيَامِهَا
تَنَفَّسَتِ الْأَزْهَارُ ضِيَاءَهَا
وَخَضَرَتْ حَوْلَ خَصْرِهَا أَوْرَاقُهَا
بَاسِطَةً أَكُفَّ الدُّعَاءِ
لِيَرْفَعَ السَّمَاءُ مَقَامَهَا
وَحِينَ أَرْخَى الْفُتُورُ عَنِ الْقُلُوبِ أَزْرَارَهَا
نَادَتْ بِصَوْتٍ دَافِئٍ:
«أَنَا أُخْتُكُمْ الْكُبْرَى
تَرَقَّبُوا فَيْضَانَ حَنَانِي»
لَكِنَّ الْوَعْدَ ظَلَّ أَسِيرَ الْحِيطَانِ
وَكُلَّمَا مَرَّ الْمَسَاءُ
سَعَى نَحْوَ الْبَابِ
فَتَخْذُلُهُ الْخُطَى
الْأُمُّ لَا تَنْضُجُ مِنْ لَهَبِ الْغِيَابِ
وَلَا مِنْ طَلْقِ السَّرَابِ
هِيَ لُؤْلُؤَةٌ فِي مِحَارَةِ الْحَيَاةِ
كُلَّمَا عَبَرَتْ دُرُوبَ الْجَمَالِ سِيرَتُهَا
تَخْجَلُ حُورُ الْجِنَانِ مِنْ إِشْرَاقِهَا
شُعَاعٌ يَتَلَأْلَأُ عَلَى حَوَافِّ الْأَيَّامِ
تُهَدْهِدُ اللَّيْلَ مِنْ ثِقَلِ الظِّلَالِ
وَتَسْقِي الرُّوحَ مِنْ وَهَجِ الْفَرَاغِ
فَتُورِقُ فِي سُكُونِ الرَّحِيلِ قَصِيدَةً
تُعَلِّمُ الشَّوْقَ كَيْفَ يَعِيشُ يَتِيمًا
وَتُعَلِّمُ الْحَنِينَ كَيْفَ يُنَادِي…
وَلَا يُجَابُ
الشاعر: حسن آل مراد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .