الخميس، 26 مارس 2026

سوق الرنين بقلم الراقي عبد الرحيم الشويلي

 هُنَاكَ مقولة صِينِيَّةٌ تَقُولُ:

"عِنْدَمَا يَرْتَطِمُ رَأْسُكَ بِوِعَاءٍ أَجْوَفَ وَيُحْدِثُ رَنِينًا،فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ الْوِعَاءُ هُوَ الْفَارِغَ."


قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ


سُوقُ الرَّنِينِ


وُضِعَ عَلَى الْمَنْضَدَةِ وِعَاءٌ نُحَاسِيٌّ لَامِعٌ،

وَبِجَانِبِهِ لَافِتَةٌ صَغِيرَةٌ:

"اضْرِبْ… يَظْهَرْ صَوْتُكَ الْحَقِيقِيُّ."

تَقَدَّمَ الْأَوَّلُ، طَرَقَ الْوِعَاءَ بِإِصْبَعِهِ، فَصَدَرَ رَنِينٌ خَافِتٌ.

ابْتَسَمَ وَقَالَ: "وَاضِحٌ… مُمتَلِئٌ." وَمَضَى.

الثَّانِي ضَرَبَهُ بِكَفِّهِ، فَاهْتَزَّ الْمَكَانُ بِصَوْتٍ عَالٍ.

ضَحِكَ: "فَارِغٌ! مِثْلُ هَذَا الزَّمَنِ!"

فَصَفَّقَ لَهُ الْوَاقِفُونَ.

الثَّالِثُ لَمْ يَلْمِسْهُ…

اقْتَرَبَ، وَأَصْغَى طَوِيلًا، ثُمَّ هَمَسَ:

"الصَّوْتُ لَا يَقُولُ الْحَقِيقَةَ… بَلْ يَكْشِفُ مَنْ يَطْرُقُهُ."

سَخِرُوا مِنْهُ.

قَالَ أَحَدُهُمْ: "فَيْلَسُوفٌ! جَرِّبْ أَنْتَ إِذًا."

تَقَدَّمَ الرَّابِعُ، رَجُلٌ كَثِيرُ الْكَلَامِ،

شَدَّ يَاقَةَ قَمِيصِهِ، وَقَالَ بِثِقَةٍ:

"دَعُوا الْعِلْمَ يَتَكَلَّمُ."

ثُمَّ ضَرَبَ الْوِعَاءَ بِقُوَّةٍ.

دَوَّى الرَّنِينُ…

أَعْلَى مِنَ السَّابِقِ كُلِّهِ.

تَجَمَّدَ قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتَسَمَ مُرْتَبِكًا:

"كَمَا تَوَقَّعْتُ… فَارِغٌ."

فِي الزَّاوِيَةِ، كَانَ شَيْخٌ يُرَاقِبُ بِصَمْتٍ.

قَالَ بِهُدُوءٍ:

"الْعَجِيبُ… أَنَّ الْوِعَاءَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدُ."

ضَحِكُوا… وَلَمْ يَفْهَمُوا.

فَجْأَةً، انْطَفَأَتِ الْأَنْوَارُ.

وَفِي الْعَتَمَةِ، سُمِعَ صَوْتُ ارْتِطَامٍ آخَرَ…

لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَمْ يَكُنْ بِالْوِعَاءِ.

حِينَ عَادَ الضَّوْءُ،

كَانَ الرَّجُلُ كَثِيرُ الْكَلَامِ مُمَدَّدًا عَلَى الْأَرْضِ،

وَرَأْسُهُ قَدِ ارْتَطَمَ بِحَافَّةِ الْمَنْضَدَةِ.

سَأَلَ أَحَدُهُمْ بِخُفُوتٍ:

"هَلْ… كَانَ الْوِعَاءُ فَارِغًا؟"

اقْتَرَبَ الشَّيْخُ، نَظَرَ إِلَى الْجَسَدِ، ثُمَّ إِلَى الْوِعَاءِ، وَقَالَ:

"الْوِعَاءُ مَا زَالَ كَمَا هُوَ…"

صَمَتُوا جَمِيعًا…

ثُمَّ،

كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ،

أَخَذُوا يَطْرُقُونَ الْوِعَاءَ مَرَّةً أُخْرَى....!!.


القاص

د. عبد الرحيم الشويلي

القاهرة

26.مارس/آذار/2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .