١٧ / آذار / ٢٠٢٦
مقتطفات من هلوسات شاعر
التحرر والكآبة
إبراهيم العمر .
ماذا يحدث حين يفقد الإنسان قدرته على الإيمان لا بشيءٍ بعينه، بل بإمكانية أن يكون لأي شيء معنى؟
ليس التحرر نقيض القيد كما يُتوهم، بل هو قيد من نوع آخر، قيدٌ لا يُرى لأنه يتشكل في الفراغ. فحين يتحرر الإنسان من كل معنى، لا يصبح خفيفًا كما يظن، بل يصبح مُعلّقًا في لاشيء، حيث لا أرض تحمله ولا سماء تهديه.
إن الكآبة لا تنشأ من الألم وحده، بل من غياب المقياس الذي يجعل الألم مفهومًا. في عالمٍ تُرفع فيه كل الحدود، لا يعود للذة طعم، لأن الطعم لا يُدرك إلا بالمقارنة، ولا يعود للفرح معنى، لأن الفرح لا يُولد إلا من ندرةٍ أو انتظار.
الإنسان حين يُنزَع منه الإيمان — أيًّا كان شكله — لا يفقد فكرة العقاب فقط، بل يفقد أيضًا فكرة الخلاص. يفقد ذلك الامتداد الخفي الذي يجعل لحياته ظلاً يتجاوزها. وعندها، تتحول التجربة إلى دائرة مغلقة: رغبة تُشبع فتفنى، ولذة تُستهلك فتبهت، ومع كل إشباعٍ يتسع الفراغ بدل أن ينكمش.
في هذا الأفق، لا يكون الانتحار رغبة في الموت بقدر ما هو عجز عن احتمال العدم وهو يُعاش حيًّا. فالموت هنا ليس نهاية، بل محاولة أخيرة لإيقاف تكرارٍ بلا معنى.
أما المؤمن، فليس محصنًا من السقوط، لكنه لا يسقط في الفراغ نفسه. لأنه يحمل في داخله فكرة الإمكان: إمكانية الرجوع، إمكانية المغفرة، إمكانية أن يكون لما حدث تفسيرٌ يتجاوز اللحظة. وهكذا، حتى في أقصى الانحدار، يظل هناك خيط غير مرئي يشدّه نحو معنى ما.
لكن من يعيش بلا هذا الخيط، يستهلك العالم كما تُستهلك الأشياء، حتى ينفد كل شيء: تنفد الدهشة، تنفد الرغبة، تنفد القدرة على التعلق. وعندها، لا يبقى سوى وعيٍ عارٍ يرى كل شيء ولا يجد في أي شيء ما يستحق أن يُعاش من أجله.
ولذلك، فإن أكثر اللحظات ظلمة ليست تلك التي يغيب فيها الضوء، بل تلك التي يُدرك فيها الإنسان أن الضوء لم يعد يعني له شيئًا.
تلك اللحظة التي ينطفئ فيها المعنى قبل أن تنطفئ الحياة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .