الأحد، 21 ديسمبر 2025

تشكيل عصابي بقلم الراقي طارق الحلواني

 تشكيلٌ عِصابي ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

في الثلث الأخير من الشهر،حين تُعلن الجيوب إفلاسها بصمت،وتتحول الأيام إلى أرقام تُعَدّ ولا تُعاش،كانوا جالسين في مكتبهم بعد صلاة الظهر.مكتب لا يعرف التجديد.

مكاتب متلاصقة، كأنها تتساند من فرط التعب،وخزائن حديدية تعلوها ملفات غطاها غبار يزيد عمره على عشر سنوات،

ومروحة سقف أرهقها الزمن، تدور ببطء،

كأنها تشتكي الإهمال، أو تشاركهم الضيق.

دخل زينهم، عامل البوفيه، بالابتسامة الجاهزة ذاتها:

— هل يشرب أحد شيئًا، يا سادة؟

لم يرد أحد.

أعادها بعد ثانيتين:

— هل تشربن شيئًا، يا سيدات؟

لم يُجِب أحد.

خرج زينهم وهو يهز رأسه،وبمجرد أن أغلق الباب، تمتم ربيع:

— سادة.. سيدات..

خرجت ضحكة خفيفة،ضحكة بلا روح،ثم ساد الصمت.

قال سيد، وهو ينظر إلى الأرض:

— مطلوب مني إيجار، ومصاريف، وديون من الشهر الماضي.. لا أعرف كيف أعود إلى البيت.

قال ربيع:

— خطيب ابنتي منذ ستة أشهر مستعجل.. يريد تحديد موعد كتب الكتاب والدخلة،

وأنا ما زالت أشياء كثيرة لم تُجهَّز.

قالت فاطمة دون أن ترفع عينيها:

— زوجي خرج إلى معاش مبكر، وهو مريض..المعاش أقل من المرتب، نكمل به بالكاد حتى يوم العشرين.

صمت.

قالت إحداهن، كأنها تلقي حجرًا:

— للأسف، لا حلول..

حتى السرقة لم نعد نعرف كيف نلجأ إليها لنعيش.

ضحكوا.

ضحكة مرتبكة..

ثم خمدت.

قال سيد:

— إذن، ماذا نفعل؟

قالت إحداهن وهي ترفع كتفيها:

— نكوِّن عصابة.

انفجروا ضحكًا.

لكن هذه المرة،

تأخر الضحك قليلًا قبل أن يهدأ.

قال ربيع:

— عصابة ماذا؟

قال آخر بعد تفكير:

— استحلال.

— ماذا تعني؟

— نأخذ حقوقنا بطريقتنا.

— وكيف؟

— غيرنا في المبنى نفسه يتقاضون خمسة أضعاف ما نتقاضاه.

نحن لا نريد أكثر..

نريد الفارق فقط.

قال سيد:

— وهذه هي العدالة.

قال ربيع:

— وليست حرامًا.

— الحرام أن تصمت،

وتستسلم،وترى كل شيء،وتتظاهر بالغباء.

قالت فاطمة:

— هذا كلام خطير.

رد أحدهم:

— لكنه يستحق التفكير.ساد الصمت من جديد.

ثم قال سيد، مبتسمًا لأول مرة:

— يعني.. غدًا نصبح لصوصًا رسميًا،ونحقق أحلامنا.

ضحكوا.

لكن هذه الضحكة كانت مختلفة،ضحكة فيها شيء من الأمل.

سكتوا بعدها،وسرح كلٌّ منهم لحظة قصيرة..كأن المكتب اتسع فجأة. رأى ربيع نفسه وقد سدد الإيجار.ورأى سيد ابنته ترتدي فستانًا أبيض.ورأت فاطمة الدواء متوافرًا قبل أن ينفد. ورأى أحدهم الشهر يمر دون استدانة.لا شيء كبيرًا،

ولا رفاهية، مجرد حياة تسير.

المروحة ما زالت تدور،والملفات في مكانها،لكن الخيال سبق الواقع بخطوة.

قطع اللحظة صوت إشعار على هاتف،

ثم آخر،ثم ثالث.

فتح سيد الرسالة، قرأ،

وارتسمت على وجهه ابتسامة غريبة.

قال:

— اسمعوا..

وقرأ:

«في إطار مواجهة الأزمة الاقتصادية،

تقرر تخفيض المرتبات العليا، وتوحيد الأجور داخل الجهات الحكومية،بنسبة ٢٥%،

تحقيقًا للعدالة الاجتماعية».رفع رأسه.نظروا إلى بعضهم.ثانيتان من الصمت.

ثم..ضحكوا.

ضحكوا ضحكًا عاليًا، متواصلًا،ضحك أناس كانوا يظنون أنهم على بُعد خطوة من تحقيق أحلامهم،فاكتشفوا أن العدالة وصلت فعلًا،

لكن من طريقٍ آخر.

ضحكوا..

والمروحة ما زالت تدور.


طارق الحلواني

ديسمبر ٢٠٢٥

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .