الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

هندسة الغياب بقلم الراقي أحمد سعود عوض

 

هندسة الغياب

ثلاثية العبور من الصمت إلى الحرية

أحمد سعود عوض

 


I


مرثيّة الصمت الأجمل


 

قالت يداي

ما لم تقله شفتاي،

ثم عادتا

فارغتين

إلا من رجفةٍ

تشبه آخرَ الضوء

حين يتردّد

في قراره الأخير.

قلتُ،

فوقف الكلامُ

بيني وبين الغياب،

وصار الصمتُ

امرأةً

تجلس في المقعد المقابل

ولا ترفعُ عينيها.

طال انتظاري

حتى نسيتُ:

أأترقّبُها

أم أترقّبُني

وأنا أعودُ

أقلَّ انكسارًا

مما خرجتُ.

كنتُ معلّقًا

بين مسمارٍ لا يجرح

وذاكرةٍ لا تشفي،

أبحث عنها

كما يبحثُ الناجون

عن معنى النجاة

لا عن الأسماء.

مرَّ زمنٌ كاملٌ

وأنا واقفٌ

في مكانٍ

لا يلتفتُ إليه أحد،

لكنّي كنتُ أعرف

أن الوقوفَ هنا

كان شكلًا آخرَ من الحب.

لم يكن الصمتُ قسوةً،

ولا الكلامُ خائنًا،

بل إن بعضَ الاعترافات

أكبرُ

من أن تُجاب.

أنا لم أخسرْ حين قلتُ،

ولم أربحْ حين سكتُّ،

أنا فقط

بلغتُ تساويي مع نفسي،

ثم عبرتُها

كما يعبرُ المسافرُ وطنًا

لا يعودُ إليه

لكنّه يظلّ

حيًّا فيه.

هناك،

في تلك المسافة التي لا تُسمّى،

جلستِ

كأنكِ

هيئةٌ للصمت،

لا ترفع عينيها

لأن النظر

كان اعترافًا زائدًا.

 


II


نجاة بلا ذروة

 

لم أعد واقفًا،

ولا منتظرًا،

أنا أمشي الآن

كما تمشي الأشياء

حين تكفّ

عن السؤال.

خفَّ اسمي

حتى صار ظلًّا

يعبر الطريق

ولا يلتفت.

لم أعد أبحث عنكِ،

ولا عني،

كأنّ المعنى

وصل قبل أن أنطقَه

واستقرّ

حيث لا حاجة للكلام.

كنتُ أظنّ

أن النجاة ذروة،

فاكتشفتُ

أنها سطحٌ مستوٍ

لا يصفّق له أحد.

ما خسرته

صار خفيفًا

لأنني توقّفتُ عن حمله،

وما ربحته

لم يعد يطالبني

بشيء.

حتى الحنين

تعلّم الجلوس

بهدوء،

كطفلٍ

شبع من البكاء.

أنا لا أعود،

ولا أهرب،

أنا فقط

أواصل

كما تواصلُ الأرض

دورانها

بعد أن تتصالح

مع الليل.

 


III


حين يتحرّر الحب

 

لم أعد أراكِ

نقطةً في القلب،

ولا جهةً

أعيد ترتيب العالم

نحوها.

أنا الآن

أراكِ في المسافة

حين لا أبحث،

وفي الضوء

حين لا أسمّيه.

لم أعد أحبكِ

لأنكِ هناك،

بل لأن الأشياء

تعلّمت الاتّساع

بعدكِ.

أحبّ

أن يمرّ النهار

دون أن يسألني،

وأن يتركني الليل

كما أنا

دون وعد.

أحبّ

أن الكفّ

لم تعد تُغلق،

وأن المعنى

لم يعد يخاف

من الفراغ.

إن قلتُ: أحبّكِ،

فلن أقصدكِ وحدكِ،

سأقصد

هذا الاتّساع

الذي علّم

ني

أن القلب

لا يحتاج مركزًا

كي يكون حيًّا.

أنا لم أخرج منكِ،

ولا دخلتُ سواكِ،

أنا فقط

صرتُ أرى

أن الحبّ

حين يتحرّر

لا يضيع…

بل يجد

أشكالًا أكثر

ليبقى.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .