الخميس، 25 ديسمبر 2025

الظل والنور بقلم الراقي عبد الحميد أحمد حمودة

 كبر الصغير عامًا بعد عام، والناس من حوله يزدادون حيرة وحذرًا. كانوا يراقبونه في صمت، يحاولون فهم ما يختبئ خلف عينيه الواسعتين، لكنهم يعودون خائبين. بدا دائمًا مختلفًا؛ لا يشارك أبناء جيله ألعابهم، لا يركض خلف الكرة ولا يضحك لصخبهم، بل يجلس بعيدًا كمن يراقب مسرحًا لا يعنيه. كأن بينه وبين العالم حجابًا شفافًا، يراه كل الناس لكنه لا يسمح لأحد أن يخترقه.


وحين بلغ السابعة، حدث ما لم يتوقعه أحد: ابتسامته التي لم تفارقه يومًا انكسرت فجأة، واختفت بلا عودة. وجهه الذي كان مشرقًا صار ملبّدًا بغيومٍ خفية، وصمته ازداد ثِقلاً حتى صار عبئًا على كل من يقترب منه. انعزل عن كل شيء، التفّت حوله وحدة خانقة كسورٍ عالية لا يجرؤ أحد على تسلّقها.


ولسانه… لسانه كان يرفض أن يبوح بما يختبئ في صدره، وكأن هناك عهدًا أو سرًّا لا يمكن أن يُكسر. عينيه كانتا تلمعان بحزنٍ عميق، حزن يفوق سنّه بكثير، يشي بأن قلبه الصغير يحمل ما لا يطيقه الكبار.


لكن الزمن قلّب صفحاته كما يفعل دائمًا، وأعاده إلى مظهرٍ عاديّ يخدع العيون. صار يشارك الأطفال لعبهم وضحكاتهم، يجلس بينهم في الدروس، يكتب، يقرأ، ويبدو كما لو أنّه صبي مثل أيّ صبي. غير أنّه في داخله كان يعيش في محيطٍ آخر، يموج بعوالم غامضة لا تُشبه ما يراه الناس.


من رواية إنسان مع العالم الآخر:الظل والنور

للكاتب عبدالحميد أحمد حمودة

#دارالمصريةالسودانيةالإماراتيةللنشروالتوزيع

معرض القاهرة الدولي للكتاب2026

قاعة 1

جناح A61

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .