رحماك
صرخة الإنسان في زمنٍ بلا إنسانيّة
حروبٌ تتّقدُ في المدى،
كأنّ الأرضَ فقدتْ عقلَها،
تتغذّى على رمادِ أبنائها،
وتلدُ من رحمِ الجثثِ جيلاً
لا يعرفُ إلّا الصراخ.
وقحطٌ يمتدّ،
يجتاحُ المائدةَ والقلوب،
حتى صارتِ اللقمةُ ترفًا،
والابتسامةُ حكايةً من زمنٍ بعيد.
وَقيظٌ جفّفَ الدمَ في العروق،
فما عادَ في الشرايينِ غيرُ صدى الحياة،
ولا في الوجوهِ سوى شحوبٍ
يستعيرُ لونَهُ من غبارِ المدنِ الميتة.
قلوبٌ تصحّرت،
نسيتْ المطرَ،
واعتادتْ البكاءَ سرًّا،
وصارتْ تبتهلُ للظلمِ أن يلينَ قليلاً،
وللقهرِ أن يمرّ دون أن يقتلَ أحدًا.
نزوحٌ جمّلهُ الشيطان،
يمشي على قدمين من خوف،
يحملُ وطنًا من ورق،
وأطفالًا من تعب،
ونساءً يخفينَ وجعَهُنّ
تحتَ الثوبِ الأسود.
أيادٍ فارغةٌ من الرحمة،
تحسبُ القسوةَ بطولة،
وتقيسُ الإنسانَ بما يملك،
لا بما يحملُ في صدرهِ من نقاء.
وعيونٌ ملأها الطمع،
كرسيٌّ أغوى،
وسلطةٌ أنستهمْ
أنّ الأرضَ لا تتّسعُ إلّا بالمحبّة،
ولا يحكمُها من لا يعرفُ البكاءَ حينَ يظلم.
أوراقٌ حكمتِ الأرضَ،
خُطّتْ بأقلامٍ جافة،
كتبتِ الموتَ بندًا في القانون،
وجعلتِ الحياةَ مشروطةً بالولاء.
ضمائرُ: منها من دُفن،
ومنها من صرخَ حتى بُحّ صوته،
ومنها من بقيَ حيًّا
لكنّهُ يسيرُ مترنّحًا
بين الخوفِ والحياء.
إنسانيّةٌ ثكلى،
تجلسُ عندَ حافةِ الليلِ تبكي أبناءَها،
تسألُ: أينَ الرّوحُ؟ أينَ الرحمة؟
ولا أحدَ يجيب.
وفاءٌ أُعدمَ في ساحةِ النسيان،
وصُلبتِ القيمُ على جدارِ المصلحة،
والصدقُ أُصيبَ بالصمم،
لم يَعُد يسمعُ حتى نداءَ الضمير.
أما الكذب،
فقد تصدّرَ العلن،
يبتسمُ على الشاشات،
يتزيّنُ بالفضيلة،
يُحدّثنا عن الشرف،
ويُخفي تحتَ معطفِه
خيانةَ وطنٍ كامل.
رحماك،
كم ضاقتِ الأرضُ بنا،
وكم ضاقتِ السماءُ بالدعاء.
صارتِ القلوبُ كالغرباءِ في أجسادِها،
تبحثُ عن معنى الإنسان
في زمنٍ خالٍ من الإنسانيّة.
أيُّ زمنٍ نحن؟
أمن عصورِ الظلامِ خرجنا،
أم من رحمِ النورِ سقطنا؟
أمن بقايا الملائكةِ نحن،
أم من نسلِ الغفلة؟
رحماك،
علّمنا كيف نُعيدُ ترتيبَ قلوبنا،
كيف نزرعُ الرحمةَ في صدورٍ قست،
وكيف نُشعلُ شمعةً في هذا الليلِ الطويل
دون أن يحترقَ الأمل.
بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .