مربع الغربة
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 17.11.2020 | نُقّحت في 01.11.2025
هذه القصيدة رحلة في البحث عن المفقود، حيث تتشابك القيم والرموز، والهشاشة الإنسانية مع صبرٍ لا يشيخ.
هي تأمّل في الغربة والوجود والزمان، في محاولةٍ لفهم ما يختبئ خلف الظلّ والضوء، وما يبقى بعد أن تختفي كلّ الثوابت.
كرهنا الزوايا والمثلثات، ودخلنا في دائرة؛ ثرنا على الواقع، دفعنا بأقواس الدائرة فصارت مربعًا، انتصرنا على الأقواس، وهتفنا:
ما زلنا في المربّع الأوّل، وغرباء.
⸻
مربع الغربة
1
سنواصل البحث عن المفقود،
وصفوه لنا وأخطأوا في تقييمه،
دفعوا بنا لنكسب الوقت في هذا الضياع.
في اليد مفتاح الخير مغلّف بالنوايا،
وعلى اللسان يعشّش حديث الأئمّة عن الفضيلة،
وعن مواصفات العفّة،
طويلةٌ ناعمةٌ لا تنالها الأصابع،
ملمسها يفتح الأبواب ويغلق النوافذ.
لا نكترث بهم، ولكننا نحبّ رضاهم،
لنستريح من وعظٍ يقدّ مضاجع العظام،
فيما تبقّى من لحمٍ يتأوّه.
كلّهم يقينٌ بشيءٍ ما، ويموتون فقراءَ وأغنياءَ ومرتعدين.
اختلف الصادقون على الكذب،
فوجدوا أن الكهوف تحتاج إلى ضوءٍ أشدّ من ضوء النهار،
ليشهدوا كيف تموت الطحالب.
أشعلوا الحطب، فعماهم الدخان.
ابتدؤوا صلاةَ الحبِّ في العتمة،
وعند طلوع الشمس
فرّوا إلى الظلِّ الغريب تحت التراب،
وقالوا: جذرُ الوردِ لا يُنبتُ حبًّا.
2
نتكاثر بلا حصادٍ للقيم، ولا نتذكّر متى زُرعت.
كأننا نزرع هباب الفحم الوهمي،
لينبت صبّارًا خشبيًّا أملس،
وننزلق فوقه بخفّة فراشةٍ خرجت قبل ولادتها بصيفٍ كامل.
ننتظر الوعود، فتتكاثر المخلفات
من كافة الأمنيات، متكوّمة بلا ترتيب،
فاشلة، عفا عليها الزمن.
ننكرها وهي منّا،
ولا نتذكّر كيف وُلدت الأمنيات،
ونحن أعفاء، وليس لدينا هدف
سوى أن نكون أثرياء في قلب الزوبعة.
لا وقت لما تركناه،
لكن لدينا ما يكفي لنبدأ الشكّ،
نقدًا على نقد،
وفلسفة التفكيك تمنحنا الاكتفاء.
نفكّك رمزًا لنجد ما يجمعنا بين الرموز.
عبثُ الزوايا ورُهابُ الاستقامة.
أيُّ زاويةٍ أقلّ حدًّا للهرب؟
نغضب من هندسة المثلثات، ونشكوا صبرنا للدوائر.
ندخلها، نشدّ أقواسها فتصير مربعًا،
نضحك ونقول: ما زلنا في المربّع الأوّل،
ذاك الذي كان دائرةً حمقاء.
يشتدّ رذاذُ الحوارات، فيتحوّل المربّع إلى مستنقع.
من أيِّ ضلعٍ نخرج؟
ولا مخرجَ إلا في اتّساع الغربة نفسها.
3
المسافرون في جوف الرموز،
يحملون مصابيح وهميّة،
يبحثون عن نهاية العالم في بداية حجر.
يظنّون أن الله يُخفي الأسرار في ممرّاتٍ ضيّقة،
ويمنح الحكمة لمن يتعثّر بتمثالٍ مكسور الأنف.
أصبحنا غرباء، وتكيّفنا مع الغربة.
ركضنا كثيرًا لنصل إلى ما وراء السراب،
ثم توقّفنا مذهولين: هل للسراب نهاية؟
ولم نفتح كتابًا نال صاحبه جائزة،
ولم نبنِ قصرًا يشبه قصر الرفاهية.
وجدنا كلّ شيءٍ في حفنة الماضي:
ملك، وخليفة، ورئيس، وسجون.
هذا الحبّ للحبّ سيبقى مكتوبًا في أوّل السطور،
محوا أطرافه، ثم ثقبوا الوسط،
وقالوا: غرباء، نحبُّ متى نشاء.
الأخلاق هي المحطّة الأولى
لرحلةٍ فضائيّةٍ بين الأرض والسماء.
نعم، الكلّ قد تخلّف عنّا وسبقنا،
وها نحن ننتظر عودة من وصل إلى القمر،
يحمل شعاع الليزر ليضيء غفوتنا.
عندها سنتذكّر أهل الكهف،
ونواصل البحث عن المفقود.
لنهلك بلذّة الحيرة من موتٍ يطال من وُلد،
وما أكثر من وُلد،
ونحن ننعم بانتصارٍ نسميه:
واثقون بفعل الصبر.
ما مات الصبر، وما صار هبابَ حجر،
الصبر لا يشيخ،
يرافقنا منذ عرفنا أننا محاطون بسياج،
ويقول:
الدعوة مفتوح
ة على البقاء خارج أسوار مربع الخوف،
حتى الغرباءُ لهم ظلّ،
والظلّ يكشف الوجود خلف الضوء.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .