الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

الانسان الذي تذكر نفسه بقلم الراقي الأثوري محمد عبد المجيد

 🛡️**الإنسان الذي تذكر نفسه**🛡️


– المقدمة: "قبل أن يُسمّى الإنسان"

  

في البدءِ، لم يكن صوتٌ ولا صمت،

بل وميضٌ يتأملُ ذاتهُ في مرآةٍ من اللاشيء.

ومن ذلك التأمل، انبثقَ الوعيُ كقطرةٍ من نورٍ تسألُ:

من أنا؟


وحين سُمّيَ الإنسانُ،

كانت التسميةُ محاولةً من النورِ ليتذكّر نفسه.


منذ ذلك الحين،

وهو يمشي بين العتمة والمعرفة،

يجمعُ المعنى من فتاتِ التجارب،

ويغزلُ من جهلهِ خيوطَ الحكمة.


ظنَّ أن الحقيقةَ في البعيد،

فأقامَ المعابدَ نحو السماء،

ونسِيَ أن أولَ بابٍ إلى الغيبِ

يُفتحُ من الداخل.


حتى إذا أرهقهُ السؤالُ،

وسكتتْ الأصواتُ حوله،

سمعَ الهمسَ القديمَ في أعماقه يقول:

ما تبحثُ عنه، يبحثُ عنك.


فأدركَ أن اللهَ ليس فكرةً تُدرَك،

بل حضورٌ يمرُّ في كلّ ما يُضيء.


تذكّرَ نفسه —

لا كما تصفهُ المذاهب،

بل كما تراهُ الدهشةُ الأولى:

ومضةُ وعيٍ تسيرُ على قدمين،

وشاهدٌ صغيرٌ على المعجزةِ التي تتكرّرُ كلَّ لحظةٍ.


ومن تلك الذكرى،

انفرجَ الوجودُ في داخله،

وصارَ كلُّ ما حوله صلاةً لا تُقال،

بل تُحَسُّ، كما يُحَسُّ النورُ في القلب.


-----


✨✒️نص القصيدة/

🛡️**الإنسان الذي تذكر نفسه**🛡️


– أولاً: "التمزق والضياع"


لستُ فتشيًّا، ولا بوذيًّا،  

ولا إبراهيميًّا، ولا موسويًّا،  

ولا مسيحيًّا، ولا محمديًّا.  


أنا الاسمُ الذي تبعثرَ في ريحِ الأزل،  

طفلٌ نُبذَ من رحمِ النور،  

يجوسُ الأرضَ، يلملمُ وجهه من أنفاسِ الكتب.  


قالوا: اخترْ نبيًّا... فكمَ الاسمُ في حلقِ الريح.  

قالوا: اسلكْ دربًا... فصار الدربُ رمادًا تحتَ خطاي.  


كنتُ أسمعُ الينابيعَ تغني لغةَ الخلق،  

لكن كلماتنا كانت شفراتٍ تقطّرُ الماءَ إلى صمتٍ.  


كلُّ دينٍ رفعَ رايةَ الخلاص،  

لكني كنتُ أنشدُ النبعَ، لا الرايةَ التي تُرفعُ.  


رأيتُ اللهَ يومضُ في عيونِ المارة،  

ثم رأيته يُسجنُ في أقفاصِ الشعارات.  

فمن نعبدهُ إذًا؟  

النورَ الذي يرقصُ، أم القفصَ الذي يحجبه؟  


-----

– ثانياً "الانفجار والكشف"


حين امتلأتُ بالأسئلة،  

احترقَ الجسدُ في لهبِ المعنى،  

وانفجرَ القلبُ كنجمٍ يُلقي ضوءه في أحشاءِ الدهر.  


رأيتُ الكونَ ينثني على ذاته،  

يهمسُ: من أكون؟  

والجوابُ تفتّتَ كغبارٍ من ذهبٍ على أكتافِ الريح.  


اشتعلَ الكلُّ:  

الجبالُ ترتلُ نشيدَ الحجر،  

البحارُ تصلي بأنفاسِ الموج،  

والظلالُ تخطُّ على الرملِ أشعارًا من نارٍ سائلة.  


تلاشتْ الحدودُ بين الأشياء:  

الترابُ يغني،  

النجمُ ينادي اسمي،  

كأننا نسيجٌ واحدٌ يتنفسُ النور.  


قلتُ:  

ربما الوعيُ هو الفضاءُ الذي يحتضنُ الكونَ،  

وربما اللهُ هو الدهشةُ التي نصيرُ بها مراياه.


-----


– ثالثاً: "التصالح والنور"


حين سكتَ الانفجارُ،  

استقرَّ الغبارُ النورانيُّ على جباهنا،  

كأنه غفرانٌ من أزلٍ يرقصُ في الروح.  


أدركتُ أن الوجودَ لا يُحاطُ بحرفٍ،  

بل باندهاشٍ يُضيءُ ظلمةَ القلب.  


الإنسانُ ليس دينهُ،  

بل وهجُ عينيهِ حين يرى الكونَ لأول مرةٍ.  


رأيتُ الأرضَ أمًّا،  

تمدُّ ذراعيها لمن هبطوا من سماءِ الأبد،  

تهمسُ: لا تخشَ، أنتَ هنا منذ أن كان النورُ.  


رأيتُ اللهَ في نبضِ قلبٍ يلتقي قلبًا،  

لا في صلاةِ الحجرِ أو أصداءِ المعابد.  


ومن رمادِ الانفجار،  

نهضتُ كفكرةٍ تحملُ النور،  

أسيرُ على خيوطِ الضوءِ  

نحو إنسانٍ لا يُعرفُ إلا بوهجهِ.


-----


– رابعاً: "التلاشي والوحدة"


في صمتٍ يفوقُ الكلامَ،  

بدأتُ أنسلُّ من قشرتي.  

لم أعدْ لحمًا،  

بل إشعاعًا يتذكرُ أصله الأزلي.  


كنتُ في كلِّ ما يُرى،  

وفي كلِّ ما يراني.  

كنتُ المطرَ حين يرقصُ مع التراب،  

والنارَ حين تُطهرُ ذاتها بالنور.  


تلاشتِ الأسماءُ كأنفاسٍ في بحرِ الوعي،  

وأدركتُ أن الروحَ ليست في الصدر،  

بل في النسيجِ الذي يربطُ الكونَ بالكون.  


سألتُ الفوتونات،  

فأجابت: الضوءُ لا يمشي، بل يعرفُ.  

وسألتُ العدمَ،  

فابتسمَ وقال: أنا وجهُ الوجودِ الخفيُّ.  


في تلك اللحظة،  

أغمضَ الكونُ عينيهِ،  

وحين فتحهما...  

كنتُ الكلَّ، وكنتُ اللاشيءَ،  

في آنٍ واحدٍ.  


لم أعدْ أفتشُ عن الله،  

صرتُ العينَ التي يرى اللهُ بها نفسه.


-----


– خامساً: "الخلق المستمر"


أيها الإنسان،  

تذكَّر: أنتَ لستَ نقطةَ نهايةٍ،  

بل أنتَ الخلقُ الذي يتجددُ.  


كُنِ الوميضَ الآتي،  

لا لتُحرقَ، بل لتُضيءَ الكونَ.  


واعلمْ —  

كلُّ دمعةٍ، ونغمةٍ، وزهرةٍ على هذه الأرض،  

هي أبياتٌ كتبها اللهُ بحبرِ قلبكَ،  

حين كنتَ تحلمُ بالوجودِ في رحمِ الأزل.


-----


💫**الخاتمة: "حين عاد من المجرة إلى قلبه"**


وحين خمدت الأسئلةُ في صدرهِ،

لم يعد يحتاجُ إلى يقينٍ يُقال،

بل إلى سكونٍ يُرى.


نظرَ إلى السماء،

فلم يرَ فيها وعدًا ولا تهديدًا،

بل امتدادًا لما يتنفّسُه في داخله.


أدركَ أن الحقيقةَ لا تُمتلك،

بل تمرُّ فينا كما يمرُّ الضوءُ في الماء،

تُشكّلنا لحظةً، ثم تمضي إلى غيرنا.


هنالك،

شعرَ أن الكونَ كلَّهُ يتنفّسُ معه،

وأن الوجودَ لم يكن يومًا خارجَه،

بل هو النبضُ الذي يسمّيه “أنا”.


ابتسمَ،

كمن عادَ من رحلةٍ طويلةٍ إلى قلبهِ الأول،

وقالَ بصوتٍ لا يُسمع:

لقد تذكّرتُ نفسي،

فلم أعدْ أبحثُ عن الله،

بل أراهُ في كلِّ ما يتذكّرني.


-----


— ✍️ الأثوري محمد عبدالمجيد... 2025/10/20



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .