الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

النور لا يكفن بقلم الراقي طاهر عرابي

 "النور لا يُكفَّن"

(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

دريسدن – كُتبت في 04.01.2025 | نُقّحت في 29.10.2025


في لحظاتِ العُزلةِ والألم،

حين تصطفُّ الجراحُ والأوجاعُ أمامَ أعينِنا،

تأتي الكلماتُ لتروي حكايةَ مقاومةٍ لا تعرفُ الهدوء.

كتبتُ هذه القصيدةَ لتكونَ صوتًا لغزّة،

ولكلِّ الذينَ لا يزالونَ يؤمنونَ بأنّ الثورةَ لا تموتُ،

مهما اشتدَّ الجرح.

«النور لا يُكفَّن» رسالةُ أملٍ تصرُّ على أنّ الضوءَ لا يخبو، وأنَّ العودةَ إلى الأرضِ قدرٌ لا يوقفُه مصير.



النور لا يُكفَّن


صرنا ثورةً بلا كفن،

بركانًا يتلظّى بحممه ودخانه،

ويبقى سيّدَ الأرض،

وغزّةُ تُشبهه،

حتى وإن باتت حزينةً،

وحزنُها يتعدّى انكساراتِ القلوب،

وانتحابَ الأُممِ في صولجانِ المحن.


يتراقصُ الوريدُ تحتَ الجلد،

ويخدشُ الجلدَ حرُّ الدخان،

وأقنعةُ العيونِ مرايا باهتةٌ في وجهِ الألم.

غزّةُ أضاعَت جدرانَها،

والتهمَ البردُ سقوفَها الهشّة،

وهو يمتحنُ صمودَ بقايا القوّة،

قوّةً لم يعرفها إلّا أهلُ غزّة.


دخلَ البردُ معذورًا إلى الوسادةِ الحجريّة،

لطفلٍ تَرَنَّحَ كفقاعةٍ من دمٍ،

تأرجحت فوقَ بركةٍ مختنقة،

كأنَّها توازي ثِقَلَ السماءِ،

تُؤنِّبُ الصمتَ المميت.


صرختْ أُمُّهُ تُرقِّعُ وجوهَنا:

“يريدونكَ ميّتًا بلا كفن،

مراسمُ التشييعِ مؤجّلة،

وإن وُجدَ ترابٌ أو حجرٌ

لم يَحترقْ ليكونَ مأوى الروحِ الأخير.”


يريدونكَ مولودَ العدم، وميتَ العدم،

حتى صارَ الانحطاطُ رايةً

صامتةً ترفرفُ في شرايينِ الخراب،

وكلُّهم من حولكَ يرفعونَ الريحَ لتفنى.


غزّةُ ترى أناسًا كرهوا غزّة،

وفي عصرِ الخيانةِ تُظلَمُ حتى الملائكة،

ويتبعثرُ الفرحُ كالرماد،

ويصيرُ الخبزُ كنزًا لأرواحٍ جائعة.


كم مرّةً يطيرُ الطيرُ حاملًا عُشَّه،

يحلمُ بنومٍ عميقٍ،

بعيدًا عن رفوفٍ وعتباتِ الفجيعة.


نحنُ في عالمٍ غارقٍ في العدم،

يساومُ على القيمِ وهي تتساقط،

وكأنَّنا في رحلةِ الفناء،

حيثُ الكهوفُ تغصُّ بالطحلبِ الأعمى،

ويرقاتُ الضوءِ تُعلنُ احتضارَ البقاء.


في حظائرِ الخيانةِ،

دُفنتْ أحلامُ الشعوب،

وصُنعَ وسامٌ للمعصية.

رعَوا دجاجَهم المزيَّنَ بالخضوع،

وحبسوا حمامَ السلامِ في أقبيةِ الرعب.

ثمَّ تغنَّوا بالحريةِ في قصورِهم،

وذبحوا الفصولَ الأربعة،

وأطفأوا المصابيحَ خلفَ الستائر،

وفرشوا الموائدَ لعشاءٍ بلا غزّة.


غزّةُ يا رُقعةَ الألمِ في حقِّ البقاء،

ويا صرخةَ الوجعِ في جوفِ النداء،

صغتِ البقاءَ قهرًا للغزاة،

ودرْسًا فيهِ للأحرارِ شفاء.

فلا تُحدّثني عن تبدُّلِ الأزمنة،

ففلسطينُ زمنٌ ثابتٌ في دورانِ الكون،

تجرُّهُ صرخاتٌ لا تهدأ،

وتُشعلُ ثورةً لا تنطفئ.


غزّةُ تنخرُ عظامَنا،

وتثقبُ راحةَ اليد،

ليسيلَ الألمُ ممزوجًا بدمِ المآسي،

الغارقةِ في دوّامةِ الهموم،

نصحوا فنراها تداوي، ولا تلوم.

ياليتَ كلَّ ما حولها بهجةٌ، لنعلم،

وفي قلبها يتفجّرُ الوفاءُ في جسدِ العدم.


لكنّنا الباقون،

ورقةٌ خضراءُ من شجرةِ زيتونٍ،

لها جنّتُها وحدائقُ الرجوع.

نحملُ الأكفانَ نحوَ النهار،

فالنورُ قدرُ العودة،

والعودةُ لا تُثنيها صخورُ الطريق.


مررنا بعلومِ الإنسانِ، ووهجِ الإنسانِ، وتعلّمنا،

أنَّ الطريقَ أطولُ من السير،

وأقصرُ من الانتظار.


سينقضي آخرُ الطريقِ، وإن لم تمسَّهُ خُطانا،

فقد سبقَنا إليه غيرُنا، ولم ينتظرْ غيرَنا،

فأتينا وكأنّنا الطريق.


لا طريقٌ يسبحُ مُعلَّقًا في الهواء،

لكنّنا نحنُ من نعلِّقُ خُطانا على أفقٍ بهيج.


ولو لم يكن هناكَ عَظْمٌ ينهضُ في البعيد،

لانتهى الطريقُ عندَ خُطوتِنا الأولى،

وماتتْ آخرُ المدافنِ، وانطفأتْ آخرُ الأعراس.


الطريقُ لا يُعبَدُ بالوقوف،

ولا تَبلُغُ الأجسادُ فُسحةً إن لم تمشِ.


تَعطَّلَ مِصباحُ نَجمٍ فوقَ غزّة،

وانطفأ نورُهُ عن جيرانِه،

فقالوا: لن يكونَ لنا فرح.

قُبَّتُنا عوراءُ،

والبكاءُ وقودٌ لا يُضيء.


تَعالوا نقتربْ منها،

فالقُربُ ضوءٌ يُغطّي ثغراتِ البقاء.


وقالَ القمر:

دعوني أحفظْ مواقعَكم في السماءِ وعلى الأرض،

فالفراغُ مُتَّهَم، والشُّهُبُ

 تُعَرْبِدُ في الأفق،

احملوا أوسمةَ الصمود، وأضيئوا بها الطرق،

فما ماتَ أعمى من النّظر،

بل حينما تَعَثَّر.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .