كاذب بالضرورة
️ زياد دبور
لم أعُد أعرف متى صِرتُ كاذبًا.
أمّي تقول:
> "الحمد لله على كل حال"،
وأنا أومئ برأسي،
بينما فمي يمضغ لعنةً
لم أبصقها بعد.
الحمد لله؟
على ماذا بالضبط؟
على أنني تعلّمتُ الابتسام وأنا أختنق؟
أم على أنني أجيد الآن
أن أقول "بخير"
وأنا أتفتّت من الداخل؟
حين كنتُ طفلًا،
كانت الأكاذيب صغيرة:
> لستُ جائعة يا أمي،
لكي آكل أنا آخر الرغيف.
اليوم،
صارت الأكاذيب أكبر:
> "أنا سعيد"،
"أنا بخير"،
"أنا... ممتنّ".
كلها
كي يأكلوا هم آخر ما تبقّى مني
براحةِ ضمير.
قالوا: الصبر مفتاح الفرج،
لكنهم لم يقولوا
إنه يصدأ في يدك
وأنت تنتظر بابًا لا يأتي.
قالوا: الله لا يحمّل نفسًا إلا وسعها،
لكنهم لم يسألوا:
وماذا لو الوُسع نفسه
صار جحيمًا؟
أنا لستُ شاكيًا،
ولستُ كافرًا.
أنا فقط... مُتعَب.
مُتعب من تمثيل دور "الصابر"،
مُتعب من أن أكون "مُلهمًا"
لمن لا يعرفون شيئًا عن الجوع الحقيقي،
جوع الروح، لا المعدة.
الحقيقة؟
أنني لا أريد أن أكون قويًا بعد الآن.
أريد أن أنهار مرة،
مرة واحدة فقط،
دون أن يقول أحد:
"لا تضعف، أنت مثلنا الأعلى".
أنا لستُ مَثَلًا،
أنا إنسان ينزف بصمت،
ويبتسم بصوتٍ عالٍ.
وحين ماتَ أبي،
قالوا:
"إنّا لله وإنّا إليه راجعون"،
وأنا؟
شعرتُ بغيرةٍ مريرة،
لأنه رجع،
بينما أنا ما زلتُ هنا،
عالقًا في هذا الابتلاء
الذي يسمّونه حياة.
لم أعُد أعرف متى صِرتُ كاذبًا،
لكنني أعرف:
أنّ أصدق ما فيّ الآن،
هو هذا الصمت،
الذي لا أستطيع كسره
إلا على ورقةٍ
لن يقرأها أحد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .