الأربعاء، 1 أكتوبر 2025

كأن البيت لم يعد بيتا بقلم الراقي سيد حميد عطا الله

 كَأَنَّ البَيْتَ لَمْ يَعُدْ بَيْتاً، بَلْ تَحَوَّلَ إِلى مَقَرِّ مَكْتَبِ التَّحقيقاتِ الفِيدِرالِيِّ، فِيهِ كُلُّ أَدَواتِ الرِّقابَةِ الَّتي لَمْ يَخْتَرِعْها التَّارِيخُ بَعْدُ. الزَّوْجَةُ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ رَبَّةِ مَنْزِلٍ، بَلْ مُحَقِّقَةً مِنَ الدَّرَجَةِ الأُولَى، تَضَعُ عَلى كَتِفَيْها نُجُوماً وَهْمِيَّةً وَتَرْتَدِي نَظّاراتٍ قاتِمَةً كَأَنَّها فِي فِيلْمٍ أَمِيرِكِيٍّ مِنَ الدَّرَجَةِ المُمِلَّةِ.


الزَّوْجُ، المِسْكِينُ، ما أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلى مِقْبَضِ البَابِ حَتّى تَبْدَأَ مَراسِمُ الدُّخُولِ: أَوَّلاً كَلْبُ الحِراسَةِ، ذلِكَ المُوَظَّفُ الكَلْبِيُّ المُخْلِصُ، يَشُمُّهُ مِنْ رَأْسِهِ حَتّى كَعْبَيْهِ كَأَنَّ بَيْنَ طَيّاتِ مَلابِسِهِ شُحْنَةَ مُخَدِّراتٍ دُوَلِيَّةٍ، فَإِذا عَطَسَ الكَلْبُ ــ انْتَهَى الأَمْرُ، تَحْقيقٌ مُوَسَّعٌ.


وَما أَنْ يَنْجُوَ مِنَ الكَلْبِ حَتّى تَعْتَرِضَهُ القِطَّةُ؛ مُفَتِّشَةٌ صَغِيرَةٌ بِعُيُونٍ خَضْراءَ تَلْمَعُ مِثْلَ أَجْهِزَةِ الأَشِعَّةِ السِّينِيَّةِ. إِذا "ماءَتْ" مَرَّةً، فَالتُّهْمَةُ ثابِتَةٌ، وَإِذا "ماءَتْ" مَرَّتَيْنِ، فَالتُّهْمَةُ أَشَدُّ رُسُوخاً، وَإِنْ صَمَتَتْ فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ: "أَكِيدٌ يُخْفِي شَيْئاً خَطِيراً!".


ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلى المَرْحَلَةِ الثَّالِثَةِ: جِهازُ كَشْفِ الكَذِبِ. أَسْلاكٌ، وَمُجَسّاتٌ، وَكُرْسِيٌّ يُشْبِهُ كُرْسِيَّ الإِعْدامِ. تَسْأَلُهُ الزَّوْجَةُ أَسْئِلَةً دَقِيقَةً:

ــ "أَيْنَ كُنْتَ فِي السّاعَةِ السّابِعَةِ وَخَمْسِ دَقائِقَ؟"

ــ "لِماذا تَأَخَّرْتَ دَقِيقَتَيْنِ عَنْ مَوْعِدِكَ المُعْتادِ؟"

ــ "مَنْ أَرْسَلْتَ لَهُ تِلْكَ الرِّسالَةَ فِي السّاعَةِ الثّالِثَةِ ظُهْراً؟"

وَهُوَ يَبْتَلِعُ رِيقَهُ، وَالجِهازُ يَصْرُخُ: بِيب!، كَأَنَّهُ يُعْلِنُ سُقُوطَ حُكُومَةٍ كامِلَةٍ.


وَحَتّى لَوْ أَثْبَتَ بَراءَتَهُ، لا يَخْرُجُ مِنْ غُرْفَةِ التَّحْقِيقِ إِلّا بَعْدَ أَنْ يُوَقِّعَ تَعَهُّداً بِحُسْنِ السِّيرَةِ وَالسُّلُوكِ داخِلَ حُدُودِ الدَّوْلَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَيَضَعَ بَصَماتِهِ عَشْرَ مَرّاتٍ لِلتَّوْثِيقِ.


النَّتِيجَةُ: رِحْلَةُ دُخُولِهِ إِلى البَيْتِ تَسْتَغْرِقُ سَبْعَ ساعَاتٍ كامِلَةٍ، أَطْوَلُ مِنْ رِحْلَةِ هُبُوطِ مَرْكَبَةٍ فَضائِيَّةٍ عَلى المِرِّيخِ. وَحِينَ يَصِلُ أَخِيراً إِلى غُرْفَةِ المَعيشَةِ، يَكُونُ قَدْ نَسِيَ لِماذا عادَ أَصْلاً!


أَصْبَحَ الزَّوْجُ مُجَرَّدَ "مُجْرِمٍ تَحْتَ المُراقَبَةِ"، وَالبَيْتُ قَفَصاً مُحْكَماً لا تَنْقُصُهُ سِوَى كامِيراتِ بَثٍّ مُباشِرٍ مُرْتَبِطَةٍ بِالأَقْمارِ الصِّناعِيَّةِ. وَهَكَذا يَسْتَمِرُّ التَّحْقِيقُ الأَبَدِيُّ… بَيْنا يَضْحَكُ الجِيرانُ فِي صَمْتٍ، وَيَهْمِسُ الزَّوْجُ لِنَفْسِهِ:

"لَيْتَنِي ارْتَكَبْتُ جَرِيمَةً حَقِيقِيَّةً… كانَ التَّحْقِيقُ سَيَكُونُ أَقْصَرَ بِكَثِير!".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .