"مرثيّة الخجل"
هذه القصيدة شهادة شعرية على زمنٍ انهارت فيه القيم، وفقد الإنسان ضميره الجمعي. إنها رثاء للحياء والخجل، ليس كمشاعر فردية فقط، بل كرمز لإنسانيتنا المهددة في عالم يشرعن الكذب ويحتفي بالجلاد.
في كل صورة، وكل صرخة، تدعو القصيدة القارئ للتأمل في الخسارة الأخلاقية، وفي ما تبقّى من ضميرٍ وإنسانية.
⸻
مرثيّة الخجل
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 25.07.2024 | نُقّحت 02.10.2025
1
مرضَ الخجل مرضًا يؤذينا، وهم يتفرجون،
ويُسعدهم عذاب خارج أجسادهم.
الأحاسيس محاصرة بجدار يحرسه الضمير،
فانقلب جدارهم، وصاروا غرباء عن كل مصير.
حاول الخجل أن يشفى فأُفشل،
ومات منحنياً على روحه،
حين قرّروا مساءلة الحقيقة بشهادة الكذب،
سطّروا الكتب وأعلنوا النفير.
حاولوا الهرب بيدين ملتحمتين على الوجه،
أصابعهم مشقوقة لرؤية العثرات،
فصار ماء الوجه وَحلًا جافًا،
يتساقط مثل صمغ ينزف من شجر مجروح.
أنفاسهم عتيّة ومحروقة، تبعثر غيمًا رماديًا.
لم يكترثوا لرائحتهم،
ولا للدخان في عيون الأبرياء.
ماضون… فالضمير منهار، والخجل تنحّى عنهم.
مات الخجل بعد مرضٍ عقيم،
تعبد في صلاته الأخيرة في أروقة الدول،
شاخصًا في الوجوه،
وداس على أيدي تجار الحروب،
سماسرة غرباء يضعون ربطات العنق الثقيلة.
وعلى القمصان البيضاء وُشِمت أوسمة،
فتحوّل اللون إلى رماد يزهر بالسواد،
يغفون على أنين ملايين حُرموا من لون النهار.
وضعوا نظارات سوداء تخيف العقارب،
فالنظر إلى الضمير صار مستحيلًا.
2
الخجل لم يتمرّد، ولم يُنادِ الضمائر،
فالشأن شأن القيم،
إن اختنقت تحت القبعات،
لا ينكشف أمرها إلا بعد فوات الأوان.
ونحن الأوان… نلحّ ونثور،
وما أصعب ثورة إن كانت لردّ الضمير.
فلماذا يعترض الكفن؟
إن كان كله وردة محروقة،
أو قشّة من عِشّ عصفور هارب،
نغطّي بها جثة الخجل.
يخفون جبالًا إن وجدت فيها فضيحة،
فالفضيحة أقسى من الخجل.
3
المقهورون حسموا الأمر على مدار العمر:
لا تفريط بساعة من الحياة،
حتى ولو كان السادة الحريصون على لياقة الكذب
جعلوا أشلاء الخجل مزارًا.
إن زارتنا الأمم وسألت: هل لكم فقيد؟
كيف سها الحق،
وترك الصخب يترنّم على البشاعة؟
صرنا في شارع معكوس، والمبدأ رحل وصار مهانة.
ليتنا ندور حول أجسادنا، نُميّزها، نحنيها، ونخجل.
لن يعود النهر إلى منبعه ويقتصّ من مساره الطويل؟
ستكون مفارقة أبدية بين الحق والباطل.
هذا النهر ليس من الصفاقة، لم يُولد من السيول.
نبعه صديق المطر، ومجراه سوار الأرض.
ونحن… من نرجع، إلى ما نكره.
الحياة ساحة حرب وحرائق، والنهر خالد، يرى منبعه ومصبه،
يتلوى طربًا بين ضفتين،
وعلى خديه يزهر الأقحوان،
فوقهم فراشات تحذر الماء من طيش الضفادع.
ونحن ننسى ميلادنا وننسى قبرنا،
ولا ورد يكللنا، ونحن نراه فوق الأضرحة.
4
أصبحت غريبًا، هجينًا بين الحب واليأس.
أخشى سقوط الشجر مع الثمر
في آخر موسم لا ربيع بعده،
ويبتلع الحقل الفراشات والديدان،
وتضيع الأرض في جوف السماء.
أخشى أن نضيع في الصحراء،
بين الرمال والكثبان،
نبحث عن مأوى وغذاء،
نفترش شهوتنا للصراع مع الجشع،
ونحمل ندمنا حتى طلوع الشمس.
كنا… وصرنا… وأردنا… ثم هربنا،
وأخفينا وجه القديم ببكاء النداء.
يا حشرجة الأنفاس المقطوعة،
انفخي فقاعتنا الأخيرة،
لنصحو على زبد الرمل في العيون.
5
يا ملك الحياة،
قتلوني قبل موتي بنهار، وبعد نداء،
وعند موتي قالوا: انتحر الشريد!
من نحن، إذا صارت الدنيا خيانة؟
تعالوا نعرف الحقيقة،
ونسكنها الآن بصدق وعقل،
نزيّن الأخلاق بكفّة واحدة،
نحطّم الموازين الخفية
التي تخنقنا بأضواء مبهرة،
وقد ظهرت سوءات الأنانية.
الدماء لا تُوزَن، ولا تُقاس.
إنها تسيل لنصحو من هول الصدمة.
من نصدق في زمن الكذب؟
يا أزمة العقل، وهو يترنّح تحت رفاهية الخداع،
لو قالوا إن الحمار ابتلع رأس الذئب،
كنا نصدق.
كذّبوا على أكوام المنازل المنهارة،
على جموع المقابر.
كم من شعوب ذُبحت،
والشاهد يخترع عمى البصر،
ويزوّج نفسه للشياطين ببراءة المُقتدر.
الحرب تحرق القيم قبل الجدران والشجر،
ولن نصحو من غيبوبة الجشع،
وفينا من يرحّب بالقاتل ويسمع.
يا غضب النهر إن جفّ على أسماكه،
وترك عيون الحصى تدمع،
يا غضب الجبل إن تشقّق من الغيظ وتصدّع،
لا بحر لنا في فوهة البركان،
ولا كلام يُحيي المروءة.
بعد أن صار الخجل عيبًا،
نخشاه… ونستبدله بسراب من الأمل،
والمخجل أننا
مازلنا نقف وننتظر عودة الخجل…
كي نشهد كيف نكون لو عاد الخجل،
وحاسب الوفاء والمنطق،
وينهي قباحه الجدل بين الحق والباطل.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .