#قصةقصيرة:
" أوراق اعتراف"
كان "سيف" في كل عام وفي نفس التاريخ يتوجه إلى بيته القديم حيث كان يعيش بسعادة مع زوجته أحلام، لكن الأيام كانت لهما بالمرصاد، وكأن فعلا دوام الحال من المحال كما يقال.
يصادف هذا اليوم ذكرى فراقهما، وحين تستيقظ ذكرياته الجميلة معها في كل زاوية من البيت، تزداد مشاعره بالندم والحسرة.
و في لحظة استجابة وحنين إلى الماضي، تنبض شرايين الفوضى، ويصمت الحاضر، لتتصدر الذاكرة المشهد، وتُجهِض الحقيقة النابعة من عمق الماضي، وتكتب بأصابعها اعترافَ وجعها، الذي بقي محفورًا يقاوم النسيان ويراوغ الزمان.
وحين تتناثر أوراق الاعتراف الأزلي كشظايا حادّة، ينزف الألم دون احتباس،
وتتسرّب من الذاكرة إلى الخارج تنهيدةٌ مبعثرة، لا يزال وقعها يُسمع في الصدور.
وحدها تنتظر... أقدارًا رحيمة تُنقذها من صدى ذلك الاعتراف القاتل.
هذا ما كان يحدث " لسيف "ويشعر به حين يدخل بيته الذي كان مهجورًا منذ سنين طويلة.
كلّ شيءٍ تغيّر، ولم يعد كسابق عهده؛
السوادُ أصبح يعمّ المكان، والهدوءُ الصارخ يضجّ بالفوضى.
أمّا هو، فقد اختار الجلوس في ركنٍ معتمٍ من الغرفة والستائر السوداء ترفرف كأجنحةٍ خائفة في سكون المساء.
ما بين الفينة والأخرى كان يرفع رأسه نحو السقف، كأنّه ينتظر شيئًا ما يأتيه من السماء…لكنّه لا يدري كنهه.
الأقدار هناك... تتأرجح في الخفاء، لكنّه كان يشعر بأنها تترقّب معه إذن الانكشاف، وتتربّص لحظة استجابة.
كان يمنّي نفسه بحضور زوجته "أحلام"، فأغمض عينيه، وغاص في ذكرياته الجميلة معها في هذا البيت الكئيب الآن.
وفجأة... كأنّ شيئًا قُرِع في داخله، ارتجّ قلبه، وتوهّجت الفوضى الخامدة من جديد في عروقه وشخصت عيناه بعيدًا،
وصار الزمن سرابًا حوله.
سكت الحاضر وتلاشى القادم، واهتزّت ذاكرته بانفجارٍ عميق، أخرج الحقيقة من عتمة تجاويفه لا على شكل كلمات، بل كألمٍ يكتب وجعه على تشقّقات الروح.
مدّ يده المرتعشة إلى دفتره المهمل منذ أعوام، فتحه ببطء فتهاوت منه أوراقٌ عديدة، كانت أوراقَ اعتراف تمزّقت بالشوق والندم والحسرة.
انحنى بكلِّ انكسار، وجمعها بلهفة،
لكنّ حروفها كانت تنزف ألمًا ، وتسرّبت من بين سطورها تنهيدةٌ لم تمت لا يزال صداها يسكن في صدره.
تذكّر كيف صدّق أصحاب النميمة الذين رموها في شرفها وهي العفيفة النقية، وكيف سمح لنفسه بطردها خارج البيت دون أن يسمح لها بالدفاع عن نفسها، وكيف اكتشف الحقيقة متأخرا جدا.
وكيف لم يفكر في التّحرّي عن تلك الصور المفبركة التي أرسلت إليه.
هو يدري جيدا أن تقنية تركيب الصور موجودة، ويدري أنهما منذ صغرهما ماانفك الحاسدون في نشر الإشاعات الكاذبة عنهما للتفريق بينهما، فأي حماقة هذه ارتكبها في حقه وحقها!
أحلام حب حياته وزوجته المخلصة أضاعها في لحظة استجابة لصوت الشّرّ!
ولا يزال صوت صراخها وبكائها وتوسلها إليه بأن يعطيها فرصة للكلام يصدع أذنيه و يؤرق نومه في مضجعه، لكنه كان في تلك اللحظة أصما أبكما أعمى.
وهاهو الآن يعيد قراءة اعترافه بظلمها مرات ومرات...
لكنّ "أحلام" لم تأت ولم تقرأ اعترافه الذي تجهله إلى حدّ الساعة، فقد رحلت دون رجعة، ولا يدري عن مكانها و أخبارها شيئا.
أمسك القلم و رغم يأسه من قدوم زوجته، أراد أن يكتب اعترافه مرة أخرى على ورقة بيضاء جديدة ويدوّن تاريخ كتابته، ليواجه نسخته القديمة الظالمة: "زوجتي الحبيبة أدرك جيدا أنني لا أستحقُ غفرانك، لكنّ الندم يعتصر قلبي وأنا أعترف بأنّي أخطأت بحقك، وأطلب الصفح منك مهما كنت بعيدة و........."
لكنّه هذه المرة لم يستطع كتابة اعترافه كاملا، ارتعشت يده و سقط القلم، فأغمض عينيه، وراح يتمتم:
"أما آن لتلك الأقدار الرحيمة أن تأتي؟
وتخلّصني من صدى هذا الاعتراف القاتل؟"
تلاشى كل ما حوله أمامه عدا نسخته القديمة التي كانت تذكره بما فعله مع زوجته، ساد السكون وبقي هناك... كأنه ينتظر إجابة لم تأتِ، فصمتت الذاكرة صمتًا أبديًا .
17/06/2025
شفاء الروح
الجزائر 🇩🇿