متاهات ضياع الإنسان...
في عمق الروح… حيث لا يصل صخب العالم،
تبدأ الحكاية… حكاية إنسانٍ ضلّ الطريق دون أن يشعر،
لم تبتلعه الطرقات، بل ابتلعته نفسه،
ولم تضعه الحياة، بل أضاع قلبه حين غفل.
يمشي بين الوجوه، لكنه لا يرى أحدًا،
ويُحيط به الناس، لكنه يشعر بوحدةٍ لا تُفسَّر،
كأنه يسير في متاهةٍ لا جدران لها،
كلما ظنّ أنه اقترب من الخروج… عاد إلى نقطة التيه.
تتشابك الطرق أمامه،
طريقٌ اسمه الطموح بلا معنى،
وآخر اسمه النجاح بلا روح،
وثالثٌ اسمه العلاقات بلا صدق…
فيمشي بينها، متعبًا، مثقلًا، كأنه يحمل ذاته على كتفيه.
يتساءل:
متى أصبحتُ غريبًا عن نفسي؟
متى صار قلبي لا يُشبهني؟
متى فقدتُ تلك البساطة التي كانت تجعلني أرى الجمال في كل شيء؟
إنه الضياع الذي لا يُرى…
ضياع الفكرة، وضياع المعنى، وضياع الإحساس،
حين يعيش الإنسان جسدًا حاضرًا، وروحًا غائبة،
يتكلم كثيرًا… لكنه لا يقول شيئًا.
وفي زاويةٍ ما من هذه المتاهة…
يظهر نورٌ خافت، ليس في الخارج، بل في الداخل،
يناديه بصوتٍ هادئ:
“عد… فأنت لم تُخلق لتضيع،
ولم تُوجد لتُرهق قلبك بهذا الفراغ.”
هناك، فقط، يبدأ الفهم…
أن الطريق لم يكن خارجًا، بل كان دائمًا في داخله،
وأن الخروج من المتاهة لا يحتاج أقدامًا… بل يحتاج قلبًا يقظًا.
فيعود…
يُرمم ما انكسر،
ويُحيي ما مات،
ويُصالح نفسه التي أهملها طويلًا.
فالإنسان لا يضيع حين تتشعب الطرق…
بل يضيع حين يفقد نفسه بين تلك الطرق.
********
في لحظات السكون العميق، حين يهدأ صخب العالم وتخفت ضوضاء الوجوه العابرة، يجلس الإنسان مع نفسه جلسة صدقٍ لا يُجيدها كثيرون… يتأمل، يتساءل، ويكاد قلبه ينطق قبل لسانه:
ما الذي جرى لنا؟ ومتى انقلبت الموازين حتى أصبح المعروف غريبًا، والوفاء نادرًا، والصدق عملةً لا يتداولها إلا القليل؟
كان الإنسان في الأمس بسيطًا في عيشه، عظيمًا في خُلقه، يملك القليل لكنه يُعطي الكثير، يفرح بعطاءٍ يسير وكأنه امتلك الدنيا، ويُواسي بكلمة صادقة كأنها بلسمٌ للجراح.
لم تكن القلوب مثقلة بالحسابات، ولا الأرواح مرهقة بالمقارنات… كان الصفاء سيد الموقف، وكانت النوايا تُقرأ من العيون قبل الكلمات.
أما اليوم، فقد تغيّر شيءٌ عميق…
تبدّلت النفوس، أو لعلها أُثقلت حتى نسيت حقيقتها.
صار البخيل يُمسك بيده وكأن العطاء يُفقره، ونسي أن الرزق بيد الله، وأن ما يُنفقه يعود إليه أضعافًا في صورٍ لا يتخيلها.
وصار العنيد يُكابر، يرفض الاستماع، وكأن التراجع عن الخطأ انكسار، مع أن الرجوع إلى الحق شجاعة لا يملكها إلا الصادقون.
أما القلوب… فقد قست، أو ربما تعبت من كثرة الخيبات، حتى أغلقت أبوابها، فلم تعد تضعف أمام إنسان، ولا تخشع لربٍّ إلا من رحم الله.
أين ذهبت تلك الطيبوبة التي كانت تُزيّن العلاقات؟
أين اختفت صلة الرحم التي كانت تُجمع القلوب قبل الأجساد؟
أين الجود الذي كان يسبق السؤال، والحنان الذي كان يداوي دون مقابل؟
أين إنسان الأمس الذي كان إذا وعد وفى، وإذا أحب صدق، وإذا أعطى أكرم؟
لقد غاب الكثير…
غابت الإنسانية حين أصبح الإنسان يُفكّر في نفسه أولًا وآخرًا، وغابت الرجولة حين لم يعد الضعيف يجد من يسنده، وغاب الناصح لأن الناس لم تعد تُحب من يُواجهها بالحقيقة، بل تُفضّل من يُجاملها ولو على حساب ضياعها.
لكن الحقيقة التي يجب أن نُدركها، رغم قسوتها، أن الزمان لا يتغيّر من تلقاء نفسه…
بل نحن من نُغيّر ملامحه بأفعالنا، نحن من نصنع قسوته أو رحمته، ظلمه أو عدله، ظلامه أو نوره.
فالزمان مرآة الإنسان… إن صلحنا صلح، وإن فسدنا انعكس فسادنا على كل شيء.
ومع ذلك…
لا يزال في الدنيا بقية نور، لا يزال هناك من يُعطي دون انتظار، ومن يُحب بصدق، ومن يُسامح رغم الألم، ومن يُنصت بقلبه قبل أذنه.
هؤلاء هم الأمل… هم الشعلة التي تُبقي المعنى حيًا، وتُثبت أن الخير لا يموت، بل يضعف أحيانًا وينتظر من يُحييه.
فلا تيأس…
ولا تجعل قسوة الواقع تُطفئ ما فيك من نور.
كن أنت الكلمة الطيبة حين يكثر الصمت، وكن اليد الكريمة حين يُمسك الآخرون، وكن القلب الرحيم حين تقسو القلوب.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من القسوة… بل إلى قلبٍ واحدٍ صادق يُعيد التوازن.
اللهم يا من بيده القلوب ومفاتيحها، أصلح قلوبنا قبل أحوالنا، وطهّر نفوسنا من القسوة والبخل والغرور.
اللهم ازرع فينا الرحمة حتى نرحم، والتواضع حتى نلين، والصدق حتى نكون كما نُحب أن نُرى.
اللهم اجعلنا من أهل الجود لا البخل، ومن أهل الحِلم لا العناد، ومن أهل الخشوع لا القسوة.
اللهم ردّ إلينا إنسانيتنا ردًا جميلًا، وأحيِ فينا صلة الرحم، وألّف بين القلوب، وامحُ من صدورنا الحقد والحسد.
اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، واكشف الكرب عن المكروبين، وبدّل حال الأمة إلى أحسن حال، واجعلنا مفاتيح خيرٍ مغاليق شر.
اللهم لا تجعل الدنيا تُقسّي قلوبنا، ولا الابتلاء يُضعف إيماننا، واجعلنا من الذين إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أخطؤوا استغفروا.
وفي الختام…
يبقى السؤال مفتوحًا، لكن الجواب ليس بعيدًا…
فالإنسانية لا تغيب إلا حين نُطفئها نحن، وتعود حين نُشعلها من جديد في داخلنا.
فكن أنت البداية…
لعل قلبك يُنقذ ما تبقى من جمال هذا العالم.
د.مقبول عزالدين