( سلة النسيان )
هي ذلك الركن المهجور الصامت في داخلنا حيث يُلقى فيه كل من سقط من سلم قيمنا فلا يعود يستحق شعوراً ولا حتى ذكراً وإن شئت قل ولا حتى كرهاً .
حالة لا تشبه الكره ولا تمر حتى من جواره ، الكره يولد من رحم شيء كان حياً . حين تكره فأنت ما زلت متورطاً وما زلت تشعر أنه ما زال في داخلك شيء يقاوم ويحتج ويغضب . الكره ليس نهاية العلاقة بل وجه آخر لعلاقة ما . هو انفعال حاد صاخب يحمل في طياته بقايا تعلق لم يجد طريقه إلى الشفاء.
أما النسيان هو نوع من عقاب الآخر في حقيقته العارية، حالة مختلفة تماماً هو صمت لا يشبه شيئاً مما سبق ، لا عتاب فيه ولا رغبة في الرد ولا حتى فضول لمعرفة ما آل إليه ذاك الذي كان يوماً شيء . كأنك لم تعد تقف في ذات الدائرة أصلاً بل خرجت منها وتركت خلفك كل ما كان يربطك بها وتفك كل انتماء لها دون ضجيج دون إعلان.
النسيان ليس قراراً تتخذه لا يمكنك أن تقول: ( سأنسى ) ثم تنفذ ، هو يحدث حين تنطفئ كل شموع الانتماء في داخلك ، حين تتآكل الرغبة في الفهم ويبرد الحنين حتى يصبح ذكرى بلا حرارة وبلا رغبة بتذكرها. فلا عاطفة ولا شعور .
هناك فرق شاسع بين أن تقول (أنا أكرهه ) وبين أن تمر باسمه فلا يتغير فيك شيء . الأولى اعتراف بأن شيئاً ما زال قائماً أما الثانية فهي إعلان النهاية دون كلمات .
النسيان ليس قسوة بل نتيجة. نتيجة تعب طويل وانكسارات وخيبات متكررة ومحاولات استُهلكت حتى آخرها . هي ليست اختياراً واعياً بل حالة تتسلل إليك بهدوء حتى تستيقظ يوماً وتجد أنك لم تعد تحمل شيئاً لذلك الشخص لا حباً ولا كرهاً ولا حتى ذكرى مؤلمة ..مجرد فراغ .
وهذا الفراغ رغم هدوئه يحمل معنى عميقاً ، أنك نجوت لكنك في طريق نجاتك تركت شخصاً بل شيئاً هناك ولم تعد ترغب في استعادته . هناك في سلة اسميتها ( سلة النسيان ) هي سلة تشبه الموت بل هي موت .
ولطالما كررت حكمة تقول ( إن الساقط لا يعود ) وإن عاد يُعاد معاب ولكن في يقيني بأنه لا يعود ولن يعود ، فهو سقط في تلك السلة ، سلة الموت .
✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .