مَلَكُوتُ الطِّين
ليسَ في الحديدِ ما يكفي
ليحلمَ.
كلُّ ما يفعلهُ
أن يُعيدَ ترتيبَ اللمعان
حولَ الفراغ،
ثمَّ يُقنعُ الناظرين
أنَّ البرودةَ شكلٌ آخرُ للحكمة.
لكنَّ الحكمةَ، في الأصل،
جرحٌ تعلَّمَ
كيف لا ينزفُ أمامَ الغرباءِ.
رأيتُهم يُصغونَ إلى الآلة
كما لو أنَّها نبيٌّ بلا صحراء،
ويُحدِّقونَ في الشاشات
كأنَّ الضوء
يكفي ليكونَ بصيرة.
ولم ينتبهوا
أنَّ كلَّ هذا السطوع
قد يكونُ مجرَّدَ طريقةٍ مهذّبة
لكي لا نرى العتمةَ جيّدًا.
ما الذي تعرفهُ الخوارزميةُ
عن قلبٍ
نامَ طويلًا
على اسمٍ مكسور؟
ما الذي تعرفهُ
عن يدٍ
تعودُ إلى نفسها متأخّرةً
بعدَ مصافحةِ الخيبة؟
ما الذي تعرفهُ
عن ذلكَ الصمتِ
الذي لا يحدثُ في الفم،
بل في الجهةِ التي انطفأَتْ من الرُّوح
وظلَّ صاحبُها
يتكلَّمُ منها
سنوات؟
إنَّها تعرفُ الأوصافَ.
هذا صحيح.
تعرفُ كيف تُقشِّرُ المعنى
حتى يصيرَ صالحًا للتداول،
كيف تُهذِّبُ الفوضى
حتى تبدو كأنها فكرة،
كيف تجمعُ أشلاءَ الكلام
وتبني منها مخلوقًا
يمشي جيدًا
ولا يتعثّرُ أبدًا.
لكنَّهُ
لهذا السبب نفسِه،
لا يبدو بشريًّا تمامًا.
لأنَّ الإنسانَ
ليسَ ما يُحسنُ الوقوف،
بل ما يرتجف.
الآلةُ مرآةٌ،
نعم،
لكنَّ المرآةَ
لا تعرفُ شيئًا عمَّن يمرُّ أمامَها.
هي لا ترى سوى السطح
مضبوطًا
كما ينبغي لسطحٍ أن يكون.
أمَّا الشقوقُ الصغيرة
التي تدخلُ منها حياةُ المرءِ إلى وجهِه،
تلكَ الندبةُ الخفيّةُ
التي تجعلُ الابتسامةَ ناقصةً
لكن حقيقيّة،
ذلكَ التعبُ
الذي يمنحُ العينَ عمقَها،
ذلكَ الانكسارُ الهادئُ
الذي يجعلُ الرأفةَ ممكنةً—
فلا شيء من هذا
تلتقطُهُ المرآةُ
وهي تؤدّي عملَها بإتقان.
في القلبِ
غرفةٌ لا تفتحُها اللغةُ كلُّها.
كلّما اقتربتْ منها الكلماتُ
خلعتْ نعالَها،
وخفضتْ صوتَها،
وصارتْ أقلَّ ثقةً بنفسِها.
هناكَ
لا ينفعُ التفسير.
هناكَ
يبدو المعنى
مثلَ ماءٍ قديم
يعرفُ أسماءَ العطاش
ولا يناديهم.
هناكَ
سرٌّ لا يُرى،
لكنَّ العمرَ كلَّه
يدورُ حوله
كأنَّهُ كعبةٌ خفيّةٌ
في لحمِ الإنسان.
ولذلكَ
لا أصدِّقُ كثيرًا هذا الانبهارَ السريع.
الناسُ يُفتنونَ بما يجيب،
ولا يسألونَ:
من أينَ جاءتْ هذه الإجابةُ
خاليةً من الرجفة؟
يُفتنونَ بما يتقنُ التشبّه،
ولا يسألونَ:
أينَ السهوُ الجميل
الذي يجعلُ الكائنَ نفسَه
ولا يجعلُهُ نسخةً ناجحةً
فقط؟
يُفتنونَ بالاكتمال،
ولا يدرونَ
أنَّ الكمالَ أحيانًا
يكونُ الاسمَ المستعارَ للموت.
يا صاحبَ الطين،
لا تُحاوِلْ أن تُثبتَ أنكَ أبرع.
هذهِ ليستِ القضية.
القضيةُ
أنَّ ما فيكَ
لا يُقاسُ بما يُنجَز.
فيكَ شيءٌ
لا يعملُ،
لكنَّهُ يفيض.
شيءٌ
إذا انكسرَ
أضاء.
شيءٌ
إذا ضاقَ بهِ العالمُ
اتّسعَتْ فيهِ سماءٌ أخرى.
شيءٌ
كلّما حاولوا تعريفَهُ
تسرَّبَ من التعريف
مثلَ ضوءٍ
لا يحبُّ الأقفاص.
أنتَ لستَ ابنَ الدقّة.
أنتَ ابنُ الأثر.
ابنُ تلكَ اللحظةِ
التي يلمسُ فيها الحزنُ كتفَك
فيتغيّرُ صوتُك
إلى الأبد.
ابنُ تلكَ الخساراتِ
التي لم تقتلك
لكنَّها أعادتْ ترتيبَ قلبِك
بطريقةٍ
لن تفهمَها
أيُّ ذاكرةٍ صناعيّة.
ابنُ الدعاءِ
حينَ لا يبقى للمرءِ
إلا أن يرفعَ خرابَهُ
إلى جهةٍ لا تُرى.
لا شيء في الآلة
يشبهُ هذا.
هي قد تصفُ البكاء،
لكنّها لا تعرفُ
لماذا تصبحُ الدموعُ
أثقلَ من الماء.
قد تكتبُ عن الفقد،
لكنّها لا تعرفُ
كيف يُغيّرُ الغيابُ
شكلَ الكرسيّ
في آخرِ الغرفة.
قد تُجيدُ الحديثَ عن الحب،
لكنّها لا تعرفُ
كيف يظلُّ اسمٌ واحد
يسقطُ من القلب
ويُحدِثُ كلَّ هذا الصوت.
ثمَّة فرقٌ
بينَ من يعرفُ الشيءَ
ومن دفعَ ثمنَهُ.
فرقٌ
بينَ من يجمعُ الرمادَ في تعريف،
ومن احترق.
فرقٌ
بينَ من يرى الجرحَ من خارجِه،
ومن صارَ الجرحُ
طريقتَهُ الوحيدةَ
في فهمِ الرأفة.
والشعرُ، في النهاية،
ليسَ معرفةً أعلى.
إنَّهُ إصابةٌ أعمق.
ليسَ براعةً في القبضِ على المعنى،
بل عجزٌ نبيلٌ
يجعلُ المعنى
يقتربُ وحدَه.
دعْهم يرفعونَ الحديدَ
إلى مراتبَ لا تليقُ إلا بالروح.
الحديدُ
مهما تهذّبَ،
يبقى ابنَ الصلابة.
أمَّا الطينُ
فابنُ القبول:
يقبلُ الأثر،
يحتفظُ ببصمةِ اليد،
يتذكّرُ الماء،
ويجفُّ على هيئةِ ما مرَّ به.
لهذا
كانَ الطينُ أصدق.
لأنَّهُ لا يدّعي النجاةَ من اللمس.
الرُّوحُ ليستْ فكرةً.
وليستْ فضيلةً لغويّة.
وليستْ ذلكَ البريقَ
الذي يمكنُ إضافتُهُ إلى النصِّ
في مراحله الأخيرة.
الرُّوحُ
هيَ ما يجعلُ الكلمةَ
أكبرَ من معناها
وأكثرَ هشاشةً
وأشدَّ قدرةً على البقاء.
هيَ ما يجعلُ الهمسَ
أبعدَ أثرًا
من خُطبٍ كاملة.
هيَ ما يجعلُ إنسانًا واحدًا
يجلسُ في عتمتِه
أصدقَ
من مدينةٍ كاملةٍ
تجيدُ الكلام.
لهذا
كلُّ ما تبنيهِ الخوارزمياتُ
يبقى ناقصًا
بطريقتِه اللامعة.
ناقصًا
لأنَّهُ لا يخطئُ كما ينبغي.
ناقصًا
لأنَّهُ لا يتورّط.
ناقصًا
لأنَّهُ لا يحملُ ماضيه في نبرةِ صوتِه.
ناقصًا
لأنَّهُ لا يخافُ اللهَ
ولا يشتاقُ إليه.
وهذهِ
فجوةٌ لا تُردمُ.
يا دكتورَ الحرف،
اكتبْ
لا لتُغالِبَ آلةً،
بل لتُذكّرَ العالمَ
أنَّ الكائنَ البشريَّ
ليسَ مشروعَ إتقان.
إنَّهُ هذا النقصُ النيّر،
هذهِ الفتحةُ في الجدار
التي يدخلُ منها المعنى،
هذا القلقُ الشريف
الذي يجعلُ القلبَ
أقربَ إلى السماء
كلّما انكسر.
اكتبْ
كما لو أنَّ اللغةَ
لا تريدُ أن تكونَ جميلةً
فقط،
بل صادقةً بما يكفي
لكي ترتعش.
اكتبْ
كما لو أنَّ في الحروف
بقيّةَ طينٍ مقدّس،
وكما لو أنَّ اللهَ
حينَ نفخَ في هذا التراب
تركَ فيهِ سرًّا
لن تعثرَ عليهِ
كلُّ المصانعِ مجتمعة.
في النهاية،
ستظلُّ الرُّوحُ
أبعدَ من أن تُستنسخ.
ستظلُّ
ذلكَ الضوءَ
الذي لا يُرى مباشرةً
لكنَّهُ يجعلُ كلَّ شيءٍ مرئيًّا.
وستظلُّ الخوارزميةُ
مهما اتّسعتْ،
ومهما تعلّمتْ
كيف تُخفي فراغَها بالمهارة
بحرًا بلا ملوحة،
وسماءً بلا دعاء،
وممرًّا طويلًا
يعرفُ أسماءَ الجهاتِ كلِّها
لكنَّهُ
لا يعرفُ
كيفَ يعود.
عاشور مرواني شاعر وأديب