الأحد، 31 مايو 2026

عندما تتوقف الحروف بقلم الراقي محمد عربي.

 عندما تتوقّف الحروف

بقلم: محمد عربي

عندما تتوقّف الحروفُ

لا يعني أنَّ القلبَ انتهى،

بل يعني أنَّ الوجعَ

بلغَ من العمقِ حدًّا

أصبحتْ معهُ اللغةُ عاجزةً عن الصراخ.

عندما تتوقّف الحروفُ

تجلسُ القصائدُ على أرصفةِ الصمتِ

كأراملَ ينتظرنَ عودةَ الغائبين،

وتبكي الأوراقُ

كما تبكي الأشجارُ

حين يهجرها الربيعُ دونَ وداع.

كنتُ أكتبُ

فتمتلئُ المدنُ بالمعاني،

وأزرعُ حرفًا

فتنبتُ في الجهاتِ ألفُ نافذةٍ للضوء،

لكنَّني اليومَ

أقفُ أمامَ الكلماتِ

كجنديٍّ عادَ من معركةِ العمرِ

فوجدَ الراياتِ رمادًا.

عندما تتوقّف الحروفُ

تبدأُ الذاكرةُ بالكلام،

وتخرجُ الوجوهُ القديمةُ

من أدراجِ السنين،

أرى أبي وهو يحملُ تعبَ الأيام،

وأرى أمّي

تخبّئُ الدعاءَ في أطرافِ الليل،

وأرى الذين رحلوا

كأنهم ما زالوا يجلسونَ حولَ قلبي.

يا أيها الصمتُ

كم من كتابٍ كتبتهُ في داخلي

ولم يقرأه أحد،

وكم من قصيدةٍ

دفنتها تحتَ أنقاضِ المجاملة،

وكم من حقيقةٍ

ماتتْ لأنَّ العالمَ

كانَ يعشقُ الأكاذيبَ الجميلة.

عندما تتوقّف الحروفُ

أسمعُ ضجيجَ البشرِ أكثر،

أرى الأقنعةَ تسقطُ بلا استئذان،

وأرى الوجوهَ

تغيّرُ أسماءها كلَّ صباح،

وتبيعُ الأمسَ

كي تشتريَ مقعدًا في وليمةِ النسيان.

لم أتعبْ من الكتابةِ،

بل تعبتُ من قارئٍ

يريدُ الزهرةَ

ولا يفهمُ جذورَها،

ومن زمنٍ

يقيسُ الإنسانَ بما يملكُ

لا بما يحملُ في روحِه من نور.

عندما تتوقّف الحروفُ

لا تسألوا الشاعرَ لماذا سكت،

اسألوا المدنَ

كم قتلتْ من حلم،

واسألوا الطرقاتِ

كم مرَّ عليها العائدونَ خائبين،

واسألوا القلوبَ

كم دفنتْ من حبٍّ

خوفًا من الخذلان.

أنا لم أصمتْ،

لكنَّ الحروفَ

وقفتْ على حافةِ التعب،

تنظرُ إلى هذا العالمِ

وتقول:

ما جدوى الكلام

إذا كانَ الصدى أصمّ؟

وما جدوى الحقيقة

إذا كانتْ تُصلبُ كلَّ يوم؟

وما جدوى القصائد

إذا صارَ الإنسانُ

يخافُ من مرآةِ نفسه؟

عندما تتوقّف الحروفُ

يبدأُ الحزنُ بكتابةِ سيرتِه،

ويتحوّلُ القلبُ

إلى مكتبةٍ من الرماد،

وتصبحُ الذكرياتُ

آخرَ وطنٍ

يسكنه المنفيّون من الأحلام.

لكنْ...

حتى لو توقّفتِ الحروفُ يومًا،

سيبقى في الروحِ حرفٌ لا يموت،

وسيظلُّ هناكَ صوتٌ خفيّ

يقاومُ الخراب،

ويقول:

إنَّ الكلمةَ الصادقةَ

قد تتعبُ...

قد تنكسرُ...

قد تغيبُ طويلًا...

لكنّها لا تموت.

وإنْ ماتَ ال

 شاعرُ،

تبقى الحروفُ تمشي بين الناس

كأنها أثرُه الأخير

على طريقِ الخلود.

محمد عربي – الجزائر

تجليات في حضرة الوقت بقلم الراقي كريم لمداغري

 "تجليات في حضرة الوقت"


في حضرة الوقت..

ثمة ذهول يمضغ العمر،

يدفعه في رئة الدخان،ثم يلفظه

حصى في حديقة ضيقة.

هناك.. جدار يتداعى، كنت أرممه

بالطين والمجاز،

محاولاً نسيان السياج الذي يفصل المساء عن المتاهة.

دنا شحوب يجر جناحيه..

لم يكن عصفوراً تماماً، 

كان خيبة تبحث عن نبع لتنتحر.

وفي غفلة من السؤال النائم في الجحر،

تسلق الوشم ضلعاً.. صار جغرافيا،

وصار القلق صدعاً يتسع كلما نبتت شتلة في الداخل.

ثمة مارد يعيد ترتيب المسافة بيني وبيني،

يصب الزيت في الحنايا.. فيشتعل الوريد.

المطر هنا لا يهطل، 

بل يقفز على وتر منسي في قاع الإناء،

يكتب رسائل مبهمة على قرميدي المتعب.

حينما نفضت الشرود..

كان المكان خالياً.

لا عصفور، لا ريح، لا عباءة غيم.

فقط.. رائحة سماء طارت إلى جهة مجهولة.

وأنا.. المعلق بسحابة تحت قدمي،

لم أتعلم يوماً كيف أمشي على خيط عنكبوت؛

لذا.. لم يكن مفاجئاً أن تنكسر الشمس،

وتتراقص الشظايا.. في برد النهاية.


كريم لمداغري

نصفي أراد ونصفي مجيز بقلم الراقية حنان الجوهري

 نصفي أراد.. ونصفي مُجبرٌ

*********************

أَنَا.. إثنتانِ

شَخصٌ يَطير لأعلى سماء

وآخَرُ يُحصِي غُبَارَ الشَّقَاء

أَنَا رَكضَةٌ فِي مَدَارِ الضِّيَاءِ

وَلَكِنَّ كَعبي.. 

دَمَّاهُ ألمٌ.. يُسٌمَّى الرَّجَاء

أُرِيدُ النُّجُومَ بِلا مُستحِيلٍ

وَيَمشي مَعِي الحلم.. 

عَذْبَ الرِّدَاء

فَيَستوقف الخَطو هَذَا الجِدَار

وَيَأخُذُ مِنِّي عُلُوَّ النِّدَاء

يُهَذِّبُ وَاقِعُنَا كِبريائي

وَيَنحِت حُلمِي..

عَلَى قَدر خَوفي

فَأَصرُخُ هَذَا أَنَا يَا طريقي

فَيَرتدُّ صوتي 

مَكسورُ حرفي

كَأَنِّي أُقَاوِمُ مَوجَ المَحَالِ

وَأَرجِعُ بِالعَجْزِ يَحضُنُ كَفِّي

أَأَستَسلِمُ الآنَ؟.. أَمْ هِيَ حَربٌ؟

وَكَيفَ التَّوَازُنُ..

فِي وَقْتِ ضَعفِي؟

عَلِمتُ نِهَايَةَ هَذَا المَطَافِ

بِأَنَّ الحَيَاةَ دُرُوبٌ رَمَاد

فَلَسنَا طُلَقَاءَ بِحَجمِ السَّمَاءِ

وَلَسنَا عَبِيداً..

لِهَذَا السَّوَاد

نُشَكِّلُهَا بِالأَمَانِي الصِّغَارِ

وَتُشكِلُنَا بِالظُرُوفِ الشِّدَاد

فَنَسْقُطُ حِيناً وَنَقوى حِيناً

وَنَمضي نُفَتِّشُ..

عَن أَيِّ زَاد

نَعِيشُ لِنَقتَنِصَ المَعنَيَاتِ

وَنَنقُصَ مِن نَزَفَاتِ الخَسَارَة

فَمَا بَين حُلمٍ رَمَى نفسه

وَوَاقِعِ زمنٍ بَنَى جِدَارَه..

تَقُومُ الحِكَايَةُ

تَصفو الحَيَاةُ

وَنَقطِفُ مِن حُزنِنَا..

مَنَارَة

        بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري

صلصال المحبة بقلم الراقية نادية نواصر

 صلصال المحبة  

شعر نادية نواصر 


المحبة كتاب الله 

كينونة الشعوب والقبائل 

روح الرحلة الأولى في صلصال الكون 

صهوة الفارس وهو يمتطي فحولته 

سماء الإنسان وقد تدلت منها عناقيد الرحمة 

سر الوردة وهي تحتفي بطقوس البعث 

المحبة وجود باكمله 

يتشكل من ماء اللغة الأم 

والروح ما تجلى من عبق النهر في صفوة الكلام 

أعطوا للمحبة صدقا 

يثمر الصخر في قمم قحطه 

تصاعد السكينة إلى سر الخفق 

النهر المحكوم بأغلال القهر 

يرنو إلى لين القول 

يناجز رقة الكف في لين تقاسينها  

الأشجار العطشى هتاف الروح في صوفية العاشق 

إذ ينادي غيث القلب 

يحتمي بحدس الوريد 

وهو يسكب ماء المجاز 

على بلاغة رحمته 

وعلى ضفاف الوجود العامر برغيف الوجدان 

تاكل الروح نصيبها من الدفء 

وتشد بجذع القلب الصادق 

وهو يصلي في محراب المحبة

أنا طائر الليل الحزين بقلم الراقية رضا محمد

 قصيدة بعنوان /انا طائر الليل الحزين

بقلمي /رضا محمد احمد عطوة

أنا طائر الليل الحزين

الحزن كامن بالوتين

لم يزورني الفرح من سنين

وكيف لي أن أفرح والحزن بأعماقي دفين

يصطحبني الألم والأنين

الحزن والألم لدنياي شطين

الدمع لا يفارق العين

أثره كمجري ماء على الخدين

لم أرك يا دنيا الا بعذابي تستمتعين

الروح تصرخ وتئن الا تسمعين ؟

كم صبرت صبر الأوابين

كم تمنيت أن يزورني الفرح ولو كل حين

وكم حلمت بمرفأ حنين

متى جدار القسوة يلين ؟

َوالروح تهدأ وتسكتين

دعوتك ربي يا معين

يا نصير المظلومين

ارزقنا سعادة الدارين

بقلمي /رضا محمد احمد عطوة

في العيد بقلم الراقية نور الهدى صبان

 "في العيد" 

الآن تفتحت عيون الورد بعد سفر مع غفوة حلم على صهوات حرف ينثر ضوعه المشتهى على مدارات الصحوة والاندهاش

في العيد ،كم أحتاج من أميال لأصل أفقي المستنير رسمتُ المسافات، خطوط طولٍ وعرض ،قسّتها بشبر يدي 

جمعتُ قطر الندى في سلاتٍ من القش الوردي بنقاء زهرٍ وأريج جوري تعطرَ قداسة وحلل في كؤوس عسجدية الملمس والرؤى ،اصطفتْ جنود الأزهار في شرفتي العامرة بأطايب العبير حيث يرسل العيد هالات وجد وابتهالات خزامى حار ضوعها في تموجات الهواء . بتراتيل نقاء ..ترانيم يعاسيب حامت على أفنان الشجر الطافح في الذرا 

شربت قهوتي اليوم ثلج انتظار 

واللهيب مني .... بوح أعزل

هذه عيون الورد

نور الهدى صبان سورية

سأعود بقلم الراقي السيد الخشين

 سأعود 


هنا في منتصف الطريق 

توقفت ونظرت 

إلى ما بقي لي من المسير  

لأصل إلى نقطة لقاء 

انتظرتها من سنين

وبقيت صامتا 

ويرهقني الحنين 

وقلبي مرهق

من عذابات السنين  

قلت لا أنظر إلى ورائي 

وقد تركت مكاني للآخرين  

وحظي يناديني لأجد البديل 

لأعود كما كنت في يوم 

أجلس بين الناس 

وأفي بالعهود

وكل ما فات حمله الزمان 

بكل جحود 

وهذا أنا أساير حياتي 

لأبقى حيا في هذا الوجود


    السيد الخشين 

     القيروان تونس

كبكاء البحر بقلم الراقية سناء شمه

 كَبُكاءِ البحر


خمدَت أسيجةُ الروح

وابتلعَ القمرُ ثوبَ الضياء.

تلكَ الصبيّةُ الحالمة

ماعادَت تقفزُ بين الزهور

ولا تُخبّئُ الفراشاتِ

في ورقةٍ بيضاء.


كم من شتاءٍ انزوى

أثقلَته همومُ المطر. 

حتى صارَ كفيفاً

لايُبصرُ خارطةَ الربيع

واليومُ هو ذاكَ الشتاء.


تَوهّمنا كثيراً

بأشرعةِ نجاة. 

 تعاندُ الريحَ والموج. 

وتقودُنا نحو أملٍ مؤجل .

لكنّ الضياعَ

كانَ أسرع.


فَغدَونا أسرى

في مدينةِ الرمل

كلّما غصنا فيها 

لم تُبقِ منّا

وجهاً..

ولا ذراع.


فكيفَ يكونُ البُكاء؟

أ كَبُكاءِ البحر

حينَ يغيبُ عن ليلِه

زُمّارُه الحزين؟ 

أم كَبُكاءِ وطنٍ

أضاعَ الطريق. 

وتصرخُ فيه القبور

هل من مزيد؟


دوّامةٌ

تَلِدُ أخرى. 

تُمزّقُ فينا أرحامَ اللقاء.

وقلمُ الشوقِ مكسور. 

كيفَ يُترجمُ وجعاً

فوقَ أضرحةٍ خرساء؟


هاهي الدُنيا 

تسحبُ منّا

أرجوحةَ الأيام.  

وينزُفُ النهارُ كَمَداً

كُلّما ابتعدَت خُطاه 

ولم يُؤذن لِنشيدِ سلام.


هاتِ لنا أيّها البحر

لا موجاً هادئاً. 

 بل غَرَقاً كاملاً

يَردُّنا

إلى صمتِنا الأول. 


بقلمي / سناء شمه

العراق

فلسفة الهدير والصمت بقلم الراقي محمد شعوفي

 فلسفة الهدير والصمت:

على حافة البحر الأزرق. 


ثمة لحظات في حياة الإنسان لا تُعلَن ولا تُخطَّط لها، تأتي كنسمة غير متوقعة تفتح فجأة نافذةً في جدار يومٍ مغلق.

لحظات يتوقف فيها العقل المتسارع عن جريه المحموم، فتنكشف خلفه روحٌ كانت تنتظر في صمت طويل.

وكان لقائي بالبحر في ذلك الغسق الاستثنائي واحداً من هذه اللحظات النادرة التي لا تُنسى.

ليس كل لقاء مع الطبيعة يتحوّل إلى لحظة كشف، ولا كل نظرة إلى الأفق تصبح بداية رحلة نحو الأعماق.

فكم من عيون مرّت على هذا الأفق الرحيب كما تمرّ على مشهد عابر، ثم عادت محمّلة بما جاءت به من ضجيج الحياة اليومية وصخبها دون أن تُضاف إليها قطرة واحدة من حكمة.

أما أنا، ففي غسق لحظة صفاء استثنائية، وجدت نفسي ألبّي دعوةً خفية للجلوس بين يدي هذا المعلم الهادر؛ ذلك الذي لا يملّ من تكرار دروسه، ولا يضيق ذرعاً بمن تعثّر في الفهم أو تأخّر في الوصول.

لم يكن حضوري مجرد وقوف عابر بين الواقفين، ولا نزهة وئيدة على امتداد الشاطئ.

كان جلوسي على الرمال خلعاً لنسيج العالم الخارجي، ومثولاً مهيباً أمام مرآة واسعة للروح.

هناك، حيث يتواطأ الأفق مع الماء على محو الحدود، فتحتُ مسامات وعيي لهدير الأمواج؛ لا لأخوض مغامرة في الأعماق، بل لأتعلم أولى خطوات المعرفة الحقّة: كيف أصغي؟

وكان البحر يتحدث بلغة علوية لا تحتاج إلى أبجدية الكلمات، ويمنح من ينصت إليه بصدق ما تعجز عنه بطون الكتب ومنابر الخطب.

على مسافة آمنة من الغرق، ومسافة قريبة من الحقيقة، رأيت كيف تمحو الأمواج، في صبر صوفي لا ينفد، قلاعي ويقينياتي الزائفة.

تلك اليقينيات التي ظننتها يوماً حصوناً فكرية منيعة، فإذا بها تذوب عند أول موجة صادقة، تماماً كقلاع الرمل التي تبهر العين ساعة بنائها وتتهاوى مع أول مساس بالواقع.

ومع امتداد تلك الجلسة، أخذت أعماق روحي تتحوّل.

كانت الأمواج تصقل جروحي القديمة كما تصقل الصخور الصماء عبر السنين الطوال.

لم تمحُ الندوب، لكنها حوّلتها إلى علامات نضج وشهادات صامتة على أن الألم حين يُفهم ويُستوعب، يتحوّل من ثقل يكسر الظهر إلى حكمة تضيء البصيرة.

وحولي، كانت عناصر المشهد المهيب كلها تشارك في إيصال الحكمة.

الصخر الثابت الممتد في الماء يحدّثني عن كبرياء الرسوخ في وجه العواصف.

والرمال التي غسلها الموج تهمس بمعنى الطهارة والقدرة المستمرة على التجدد.

والزبد الأبيض الذي يعلو متفاخراً للحظة ثم يتلاشى في لا شيء، كان يعظني بقِصَر عمر الغرور والادعاء مهما انتفخ وتعاظم.

أما الدرر الكامنة في القاع، فكانت رسالة مبطّنة بأن أثمن الكنوز الإنسانية لا تُدرك بالبصر وحده، بل تحتاج إلى بصيرة غوّاصة تعرف كيف تخرق السطح لتصل إلى الجوهر.

أدركتُ يومها أن البحر لا يعلّم بالصوت والنغم وحدهما.

إنه يعلّم بملمس الماء البارد الذي يوقظ خدر القدمين، وبرائحته الملحية التي تملأ الأنفاس بالحياة، وبحركته الموزونة التي تهدهد البصر، وبعمقه المهيب الذي يوقظ في النفس رهبةً صوفية أمام عظمة الوجود.

وكان أعظم ما تلقيتُه منه هو درس التواضع المطلق.

كم مرة ظننتُ، في لحظة خيلاء عابرة، أنني أدركتُ من الحياة أسرارها، وأن عقلي القاصر قد أحاط بالكون علماً؟

ثم تأتي موجة عابرة، كأنها ضحكة ساخرة من البحر، لتُلقي تحت قدمي محارةً صغيرة لا تتجاوز حجم الظفر، فتذكّرني بسعة جهلي وبأنني ما زلت طفلاً يحبو في مدرسة الوجود الكبرى.

كانت تلك المحارة التي تقاذفتها الأمواج زمناً طويلاً تبدو أهدأ مني، وأكثر عمقاً وتصالحاً مع قدرها.

لقد عرفت كيف تحوّل احتكاك الرمل المؤذي في أحشائها إلى لؤلؤة من الجمال، بينما كنت أسمح أنا لأصغر عثرات الحياة أن تتحوّل إلى ضجيج داخلي ومعارك وهمية لا تنتهي.

أيّ فقر هذا الذي يجعل الإنسان أقلّ صموداً من محارة صغيرة في مواجهة أمواج الحياة؟

وتحت قبة السماء المنفتحة بلا شروط فوق هذا اللجّ الممتد، تجلّت لي حقيقة أخرى.

إن العظمة الإنسانية لا تكمن في التصلّب والعناد الأعمى، بل في المرونة والقدرة على الانسجام مع حركة الحياة دون فقدان الهوية.

فالماء يبقى ماءً، عذباً أو أجاجاً، رغم أنه لا يكفّ عن التحول واتخاذ شكل الإناء الذي يحتضنه.

وفي حركة المد والجزر، اكتشفتُ الإيقاع السري الخفي للحياة برمّتها.

ليست الحياة خطاً مستقيماً يسير نحو نهاية رتيبة مصمتة.

إنها ميزان دائم الحركة بين الأخذ والعطاء، بين الحضور والغياب، بين الامتلاء والفراغ.

كل موجة تنسحب وتحرث الرمل وراءها إنما تحمل في أحشائها وعداً قاطعاً بالعودة.

وكل جزر يعرّي الشاطئ إنما يخفي في أعماقه مداً جديداً يجمع قواه ليسترد ملكه.

من هذا الإيقاع، فهمتُ أخيراً طبيعة الذاكرة البشرية.

إنها تشبه البحر في عمقها وفي غموضها وفي تقلّباتها.

تخفي في قاعها لحظات لا تموت، وتجارب لا تزول، وآلاماً صهرها الزمن فصارت ينابيع للفهم والنضج.

وكلما ظننتُ أن الماضي قد غرق وابتعد، عاد إليّ على غسيل الأمواج في صورة جديدة؛ لا ليوقظ جراحي أو يؤذيني، بل ليعلّمني كيف أستقطر المعنى الأبقى والأنقى من التجربة.

وحتى الحب، ذلك اللغز العصيّ الذي حيّر الفلاسفة وأذهل الشعراء، بدا لي أكثر وضوحاً حين طالعتُه في مرآة البحر.

فالحب الحقيقي يشبه المد العظيم؛ لا يأتي ليحتل شواطئ القلب عسفاً ثم يرحل تاركاً الخراب والملوحة، بل يأتي ليمنح الذات اتساعاً أرحب وعمقاً أغور.

وحتى حين ينسحب، يترك وراءه أثراً لا يمحوه موج؛ كما يترك المد وراءه حين يجزر رملاً مغسولاً ولآلئ مبعثرة على الشاطئ لمن يعرف كيف يلتقطها.

وهكذا، تفكّكت أمامي مفاهيم الحرية والنجاة.

ليست الحرية ركضاً ذليلاً ودائماً نحو أفق بعيد هارب.

الحرية الحقّة هي أن أستطيع الجلوس مع نفسي مطمئناً، بلا أقنعة وبلا خوف.

أن أرى الأشياء تأتي وتذهب، وتقترب وتبتعد، دون أن أفقد اتزاني الداخلي.

أن أشاهد المد يُقبل والجزر يُدبر، دون خوف من الفقد، ودون تعلّق بما لا يدوم.

ولم يكن البحر غريباً عن لحظات ضعفي الإنساني أو منأى عنها.

فكم من مرة غرقتُ في لُجج اليأس، وظننتُ أن عتمة الروح قد أحاطت بكل منافذ الضوء وأحكمت إغلاقها.

ثم اكتشفتُ، بعد صبر جميل وتأمل عميق، أن أعماقي كانت تحمل بذور النجاة ومجاذيف العبور منذ البداية، مخبّأةً تحت طبقات الخوف والحيرة.

فالجروح ليست نهايات مغلقة للطريق، والانكسارات ليست إعلاناً رسمياً بالهزيمة، بل هي المعابر الخفية والشروخ الضرورية التي ينفذ منها النور لينمو نضجٌ ما كان ليولد بغيرها.

ومع اقتراب هذه الرحلة التأملية من نهايتها، وغروب الشمس خلف الأفق كأنها هي الأخرى تُودّع درساً أتمّته، أدركتُ أن البحر لم يكن مجرد منظر طبيعي جميل أرقبه من علٍ.

كان كتاباً كونياً مفتوحاً على مصراعيه؛ كل موجة فيه صفحة ناصعة، وكل مد وجزر فصل من فصول الحكمة الأزلية، وكل لحظة صمت مهيبة أمامه درس جديد في التواضع والصبر والتجدد الصارخ.

وحين نهضتُ أخيراً ونفضتُ الرمال عن ثيابي، لم أكن الشخص ذاته الذي جلس هناك أول النهار.

كنت أحمل يقيناً جديداً ومختلفاً.

يقيناً يهمس لي بأن البحر لم يكن يوماً مشهداً خارجياً منفصلاً عني، بل كان يسكنني ويمتد في شراييني منذ البداية؛ يهدر في صمتي، ويصمت في هديري.

وأنا أُغادر الشاطئ تاركاً خلفي وقع خطاي في الرمال الرطبة التي سرعان ما تمحوها الأمواج كأنها تمحو ما هو زائل لتُبقي ما هو أبقى، أدركتُ أن الحكمة لا تنتهي بانصرافنا عن الأمواج، بل تبدأ فعلياً حين نحمل معنا ملوحتها وحكمتها إلى صخب الحياة اليومية.

فكل نفس أتنفسه الآن هو مدٌّ جديد للروح.

وكل سكينة أعبرها هي جزر يعلّمني الارتقاء فوق العابر.

وكل يوم يمرّ هو فرصة أخرى لأُصغي بخشوع إلى ذلك البحر الكامن في داخلي؛ ذلك البحر الأزرق العميق الذي علّمني أن الإنسان لا يكبر ولا يسمو بما يعرفه ويدّعيه، بل بما يظل مستعداً، بكل تواضع وانكسار جميل، لتعلّمه.

بقلم:

د. محمد شعوفي

31 مايو 2026م

السبت، 30 مايو 2026

قال الصباح بقلم الراقي عبد الرحيم العسال

 قال الصباح

========

قال الصباح مخاطبا كل البشر

هيا أفيقوا وانطروا هذي العبر

شمس تحدق في السما في لهفة

نحو الخليقة قد سرت منها الدرر

والماء من مزن تحدر ضاحكا

عادت به لحياتها ميت الزهر

وبه البحار تكونت وتفجرت

وبه يسيل مسافرا هذا النهر

والريح تسري في الوجود سريعة

وبطيئة هزت قلوبا ونخيلا وبشر

والنبت في وديانه شق الثرى

نحو السماء مناجيا رب القدر

والطير رفرف في السماء مهللا

والخيل تصهل والأسيد هنا زأر

وجميع من خلق الإله قد إنبرى

في شغله راح وفي سر شكر

والناس تاهت في دهاليز المنى

ترجو من الدنيا ولا تدري الخبر

أن المليك مقدر هذا الذي

من حولنا والله نعم المقتدر

صاغ الوجود وفي الوجود جماله

في كل جزء من روابينا العبر

فارفع عيونك للسما واسجد له

وأهتف بقلبك ثم أخفض للبصر

جل المليك وقد حبانا فضله

صبحا جميلا للخليقة والبشر


(عبدالرحيم العسال - مصر - سوهاج - اخميم)

صعدت إلى عرفات بقلم الراقي ناصر صالح أبو عمر

 صَعِدْتُ إلى عَرَفَات


صَعِدْتُ إلى عَرَفَاتٍ والدُّجى ثَقِلُ

وفي فؤادي منَ الأحزانِ مُشتَعِلُ


أمشي وتسبقني الآهاتُ مُنكسِرًا

كأنَّ عُمري على أكتافِهِ جَبَلُ


يا ربِّ جئتُكَ والأيّامُ مُتعِبَةٌ

وليسَ غيرُكَ للمكسورِ يَكتَمِلُ


جئتُ الحِمى خاشعَ الأنفاسِ مُبتهلًا

وفي عيوني رجاءُ العفوِ والأمَلُ


هذا عَرَفَاتُ… كم ذابتْ بهِ مُقَلٌ

وكم بكى مذنبٌ للهِ يَبتهِلُ


بيضُ الثيابِ ولكنْ في جوانحِنا

ليلٌ طويلٌ بهِ الأوجاعُ تشتَعِلُ


نمشي ونُكبِّرُ والتكبيرُ يرفعُنا

كأنَّ أرواحَنا بالنورِ تكتحِلُ


العيدُ أقبلَ… لكنْ أيُّ مُبتَسِمٍ

وفي المآقي بقايا الدمعِ تَنهَمِلُ


العيدُ أقبلَ والأطفالُ حائرةٌ

كأنَّ أفراحَها في الصمتِ ترتحِلُ


والأمُّ ترفعُ كفَّ الدعاءِ مُنكسِرًا

وفي الدعاءِ بقايا الروحِ تَبتهِلُ


يا ربِّ فارحمْ قلوبًا هدَّها تعَبٌ

فالحزنُ فيها كبحرِ اليأسِ يَتَّصِلُ


واجعلْ لنا من ضياءِ العفوِ مُتَّسَعًا

فأنتَ أكرمُ من يُرجى ويُؤتَمَلُ


هذي الجموعُ على عرفاتَ خاشعةٌ

كأنَّها نحوَ أبوابِ الهدى تصِلُ


هذا يُناجي وذاك الدمعُ يسبقُهُ

وكلُّ قلبٍ إلى الرحمٰنِ يَبتهِلُ


وأنا وقفتُ كسيرَ الروحِ مُنطرِحًا

وفي فؤادي رجاءُ الصفحِ والأمَلُ


قلتُ: إلهي أنا العبدُ الذي سَرَفَتْ

بهِ الذنوبُ وطولُ الذنبِ يَقتُلُ


فاغفرْ ذنوبي فإنِّي جئتُ مُعتَرِفًا

والعبدُ دونَ رضاكَ اليومَ مُنعَزِلُ


يا ربِّ لا تَحرِمِ المشتاقَ رحمتَكَ

فكلُّ عبدٍ ببابِ العفوِ يَبتهِلُ


واكتبْ لنا فرحةً بالعيدِ صادقةً

تمحو الأسى حينَ بالأفراحِ نَكتَحِلُ


فالناسُ تلبسُ أثوابَ السرورِ وقدْ

في بعضِ أرواحِهم حزنٌ يُزلزِلُ


كمْ غائبٍ عن ديارِ الأهلِ أرهقَهُ

شوقٌ طويلٌ ونارُ البعدِ تشتَعِلُ


وكم فقيرٍ أتى للعيدِ مُنكسِرًا

وفي يديهِ بقايا الصبرِ والأمَلُ


يا عيدُ مَهْلًا فقلبي ما بهِ تعَبٌ

إلّا وفي رحمةِ الرحمٰنِ يندمِلُ


ما بينَ دمعي وتكبيرِ الحجيجِ رؤًى

كأنَّ نورَ السما في الروحِ ينسَدِلُ


ورُحتُ من عَرَفاتٍ والقُلوبُ بها

نورُ الرضا وبابُ العفوِ مُتَّصِلُ


فالحمدُ للهِ ما ضاقتْ بنا سُبُلٌ

إلّا وكانَ ضياءُ اللطفِ يَشتَعِلُ


صلُّوا على المصطفى المختارِ سيِّدِنا

ما لاحَ بدرٌ وما في الكونِ مُبتهِلُ


بقلم: ناصر صالح أبو عمر

على وجع الاشتياق بقلم الراقي هيثم بكري

 ..على وجعِ الاشتياق..

حانَ الآنَ موعدُ الاشتياقْ،

بعد الرحيل 

والوداع الطويل 

اتوق إليك 

لشغف الهوى وطيب 

العناق 

والرّوحُ — بعدَكَ —

تتجرَّعُ مُرَّ الفِراقْ،

تبحثُ عنكَ

في نبضٍ تاهَ،

وفي شوقٍ

لا يُطاقْ...

القلبُ ما عادَ

يحتملُ الصبرَ،

ولا يقوى

على مُرِّ المذاقْ،

ولا على نارِ

ذاكَ الاحتراقْ...

كأنّي أتلظّى

بنارِ النَّوى،

وبصمتِ الحنينِ

أذوبُ،

وأحيا

على وجعِ الاشتياقْ.

المحامي هيثم بكري

الفرحة بقلم الراقية فريال عمر كوشوغ

 الفرحة    

أصدق عبارة ؛ 

تُلخّم الحقيقة ؛ 

يوم عرفة ...!!


أعظم ركن ؛

تتجسد فيه المغفرة الربانية ؛ 

وقوف عرفة ..!!


زيادة الرحمات في عرفة ؛

تتلاشى مشاق الطاعات ؛ 

قلوب عباد الله ..!!


عتق ومغفرة ؛

يتجلى الله سبحانه وتعالى ؛

أهل موقف وشهادة الملائكة ..!!!


 خير دعاء ؛ 

يجعله أعظم وقت استجابة ؛

  يوم عرفة .. !!


عمل عظيم لغير الحاج ؛

 يكفر ذنوب لسنة مضت ولسنة قادمة ؛ 

صيام يوم عرفة ... !!   


فرحة الحاج ؛

من يدرك عرفة بليل ؛

 قبل طلوع فجر العيد ..!!


صوت القرآن ؛

يملأ المكان بالسكينة ؛ 

 غسيل القلوب في عرفة ... !!


فرحة العيد لحظة ؛

يبتسم فيها القلب ؛ 

نور بعد التعب ..!!


فرحة العيد ؛

 تكتمل بابتسامة النفوس ؛

قلوب بيضاء .. !!


فرحة العيد ؛ 

تسكن البيوت والطرقات ؛

لقاء الأحبة ابتسامة وجوه .. !!


بقلمي✍️ فريال عمر كوشوغ